> الرقم مخيف فعلاً، لكنه جزء من الحقيقة، والحقيقة الكاملة لم تنكشف بعد.
منذ العام ١٩٩٠ أنفق لبنان أكثر من ١١ مليار دولار على قطاع الكهرباء، من دون أن تنفّذ أي خطّة لإصلاح هذا القطاع أو تحديثه أو تأهيله. لماذا؟
لأن في لبنان، كما يقول روبير غانم، رئيس لجنة الادارة والعدل في البرلمان، مسؤولين لكن ليس هناك مسؤولية.
والنتيجة هي ما تشهده شوارع العاصمة والضواحي والمناطق، في عزّ موجة الحرّ، من احتجاجات بدأت، ويخشى أن تتصاعد على إيقاع التجاذبات السياسية الحادّة، التي تحكم الشارع اللبناني في هذه المرحلة التي يغلب عليها الترقّب.
لبنان في رمضان وطن مشدود على حبل التوتّرات، واستياء يعمّ الموالين والمعارضين على السواء، بعدما وصل «الانهيار الكهربائي» الى الذروة في السنوات الأخيرة، وتحديداً في الأشهر الأخيرة.
ومعروف أن التغذية كانت قد وصلت في عامي ١٩٩٧ و١٩٩٨ الى مئة في المئة، لكن السياسات التي اعتمدت بعد هذا التاريخ، وإهمال تجديد شبكة الانتاج والنقل وتطويرها في ضوء الحاجات الآنيّة والمستقبلية، أدّت الى تراجع الانتاج، فضلاً عن استياء عارم بدأ يولّد توتّرات سياسية على خلفيّة قطع الطرقات بالدواليب المشتعلة، ما أدّى ويؤّدي الى إلحاق أضرار بالغة بالموسم السياحي.
وأبرز الطرقات التي قطعت قبل حوالى أسبوعين، طريق المطار التي أقفلت فجراً، ولم تتدخّل القوى الأمنيّة إلا متأخّرة لوقف الاهانات التي وجّهت الى السائقين والمواطنين الذين كانوا في طريقهم الى طائراتهم، وإلى منازلهم في طريق العودة.
وزير الطاقة والمياه جبران باسيل، وهو بالمناسبة أحد حلفاء «حزب الله»، أي الجهة السياسية التي تسجّل اعتراضات متتالية على النقص في الكهرباء، وضع خطّة متكاملة أقرّت في مجلس الوزراء لتغطية لبنان كهربائياً مئة في المئة للسنوات العشر أو الخمس عشرة المقبلة. لكن تنفيذ هذه الخطّة يحتاج ـ مرحلياً ـ الى قرارات استثنائية من جانب الحكومة أولاً، وتصديق مشروع موازنة ٢٠١١ في مجلس النواب ثانياً.
في انتظار هذه المعالجات التقنيّة، يلجأ الوزير في الوقت الحاضر الى معالجات سياسية لتبريد الشارع، وبصورة خاصّة في الضاحية الجنوبية التي تعاني الانقطاع أكثر من غيرها، بسبب تضرّر محطّات التوزيع في عدوان تموز (يوليو) ٢٠٠٦، وعجزها عن تلبية الحاجات المتزايدة في المنطقة. ويبدو أن المخارج تبدأ في تغيير الكابلات المتهرّئة أو المعطوبة لإيصال الطاقة، أو ما ينتج منها على الأقلّ، الى الناس.
وباختصار، يمكن القول إن لبنان الذي يشهد سجالاً سياسياً مكهرباً في الفترة الأخيرة، على خلفية ترقّب صدور القرار الاتهامي في اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، يعاني توتّراً إضـافياً «كهرب» الأجواء في الأسابيع الثلاثـة الأخيرة بسبب النقص في الطاقة، وهو نقص يتوارثه اللبنانيون من جيل سياسي الى جيل آخر، علماً بأن الخطط موضوعة، والمبالغ التي أنفقت في السنوات العشرين الأخيرة، وهي بالمليارات، تكفي لإنارة أجزاء واسعة من منطقة الشرق الأوسط بكاملها. والعجز المالي في شركة كهرباء لبنان، الذي كان في حدود المليار دولار سنوياً، نتيجة الاهمال وسوء الجباية والتعدّيات على التيار، يتزايد عاماً بعد عام، من دون أن يتحرّك الوزير المسؤول وينفّذ أي مشـروع للحلّ.
إنه منطق السياسة اللبنانية الذي أنتج مجموعة أزمات متراكمة منذ حوالى سبعة عقود هي عمر الاستقلال، ولا يزال يفاقم هذه الأزمات، على المستوى الخدماتي كما على المستوى السياسي، وعلى المستوى الانمائي كما على المستوى الأمني، ويخشى معه اليوم أن يخرج غضب الشارع على «إطاره الكهربائي» الى إطار أوسع لا يمكن احتواء مضاعفاته.
والدليل الأكبر على الممارسات الرسمية اللامسؤولة، هو أن أحد أسباب العجز في موازنة شركة الكهرباء أن فريقاً كبيراً من السياسيين لا يسدّد الفواتير المستحقّة عليه، وأن وزارات الدولة نفسها التي تستفيد من التيار مدينة للشركة بملايين الدولارات التي تتراكم عاماً بعد عام. إنه لبنان الذي ينفق على إنتاج العتمة في «الصيف المكهرب» > |