> لا يمكن للمرء إلا أن يسلّم بدور مصر في المنطقة ودورها «الهدّام» للقضية. يدرك النظام المصري أنه فقد موقع صانع الأحداث وبات مجرّد متفرّج، لا بل مخرّب، بعد عقود من ادّعائه العمل لنصرة القضايا العربية عموماً، والقضية الفلسطينية خصوصاً.
بعد إنهاء المقاطعة العربية مع مصر إثر إبرام اتفاق كامب ديفيد، قدّمت مصر نفسها كلاعب إقليمي دوره حاسم لحلّ الأزمات العربية، والتي نتجت من الصراع مع إسرائيل، لتبرم اتفاقاً منفرداً مع تل أبيب بعد انتصار ١٩٧٣، وهي حاولت رغم ذلك أن تصوّر للعالم نفسها على أنها حاملة القضية الفلسطينية وحاميتها.
وراحت تقدّم نفسها كمعلّم، وأجرت دورات تدريبية للمفاوضين الفلسطينيين في الخارجية المصرية، لتلقينهم أساليب التفاوض مع الإسرائيليين. وطوّرت مصر دورها من مدرّب الى راع للمفاوضات الإسرائيلية ـ الفلسطينية في مؤتمرات للسلام عقدت في شرم الشيخ وباءت كلّها بالفشل. وبالتالي، كانت مصر تقود وتمارس دوراً تعطيلياً بين إسرائيل والفلسطينيين، ثم بين الفلسطينيين والفلسطينيين، والسعوديين والسوريين، ناهيك عن السودان واليمن وغيرها من الدول.
ومع مرور الوقت وسقوط القناع المصري، بدا واضحاً تحوّل الدور المصري إلى مسلسل درامي معاد يقتصر على استجداء المفاوضين الفلسطينيين ومناشدة الإسرائيليين والقوى الغربية، من دون تحقيق أي خطوات على الأرض، مع تصريحات مجترّة عن دعم حقوق الشعب الفلسطيني، بينما تشيّد الجدران الفولاذية لخنق غزّة وشعبها. وبالطبع، فإن السياسة المصرية طوال الوقت كانت حريصة على تحقيق مصالحها الخاصة، ولو على حساب الآخرين، وشغلت ديبلوماسيتها بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة علّهما يفوّضانها دوراً للحصول على منح أو مساعدات، أو حتى إبرام صفقات تصبّ في جيب السلطة المصرية بوصفها داعماً وحليفاً في عمليات التسوية في الشرق الأوسط.
ولم يغب هذا الدور، حتى فى ظلّ أزمة الجندي الإسرائيلي شاليط الذي خطف في قطاع غزّة وعرقلت مصر كل عملية لإطلاقه، كي لا تكسب حركة «حماس» موقعاً قويّاً يضع القاهرة جانباً. وحتى في القضية العراقية، جلست مصر جانباً متفرّجة على ما يدور، وهي لا دور لها سوى توتير العلاقات السورية ـ العراقية، مع مساندة كاملة للموقف الأميركي في هذا الشأن.
أما الآن، وقد تحوّلت الديبلوماسية الأميركية الى تقارب مع سورية، تماماً كما فعلت السعودية، وجدت مصر نفسها منبوذة، فسعت من دون جدوى الى تحجيم دور سورية في العالم العربي بعد انحسار الأضواء عن مصر.
أما على المسرح اللبناني فالأزمة أوسع، فلبنان عنصر هام في التوازن العربي في المنطقة، ومسرح قوى للمواجهات مع إسرائيل. وكان افتعال مصر أزمة خليّة «حزب الله» محاولة ضغط بائسة أخرى.
لقد رأت السياسة الخارجية المصرية في السنوات الأولى التي أعقبت اتفاقية كامب ديفيد، على أن خروج القاهرة من دائرة الصراع العربي ـ الإسرائيلي، سيشكّل عاملاً ضاغطاً على سورية والفلسطينيين والمقاومة في لبنان، لناحية القبول بتوقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل والتطبيع مع الإسرائيليين. وبناء على ذلك، حاولت لعب دور محامي الشيطان الذي خيّر الأطراف الشرق أوسطية بين القبول بتوقيع اتفاقيات السلام والتطبيع، وبين عدمه واستمرار المواجهة مع إسرائيل.
وبمرور الزمن، تجلّى أن رهان القاهرة كان خاسراً، وهي عمدت رغم ذلك، بدلاً من الضغط على إسرائيل للتنسيق مع أطراف محور تل أبيب ـ واشنطن، للبحث عن سبيل لإضعاف الأطراف الشرق أوسطية الرافضة للمشاريع التدميرية للمنطقة، بما يجعلها أكثر انكساراً إزاء القبول بشروط السلام الإسرائيلية التي أصبحت أكثر إجحافاً.
بعد فوز «حماس» في الانتخابات التشريعية والسيطرة على قطاع غزّة، سحبت مصر سفيرها ووفدها الدائم في غزّة، وأصبح هناك فراغ لأي دور مصري، وحسب قوانين الطبيعة يجب أن يملأه أحد.
سعت القاهرة إلى إبعاد الفلسطينيين عن دمشق، معتبرة أن السبيل الأمثل لقيام الدولة الفلسطينية هو السير في خط السياسة الخارجية الأميركية، وبوصف القاهرة حاملة مفاتيح البيت الأبيض والكنيست الإسرائيلي. وبالفعل، فقد أدّت الضغوط والاغراءات المصرية إلى دفع الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات الى جهة التخلّي عن التعاون مع دمشق، ثم التوقيع على اتفاقية أوسلو.
دور مصري في المنطقة ليس بريئاً ولا فيه حسن النيّة. إنه دور تحريضي هدّام، وفي كل الأحوال هو دور حاسم في تدهور أي اتفاقات في المنطقة، بعدما أقنعت نفسها بأنها قدّمت ما يكفي من التضحيات للقضية > |