السودان التعدّدي بين الوحدة والانفصال
«الانتخابات في موعدها وبمشاركة دارفور»، قالها الرئيس السوداني عمر البشير في مطلع الأسبوع الفائت، بعد يومين من توقيع الاتفاق الاطاري في الدوحة. والسؤال: هل يربح البشير معركته، واستطراداً هل يربح معركة توحيد السودان، أم أن التعثّر الى حدّ الانتكاسة الكبرى لا يزال قائماً؟
«المشاهد السياسي» ـ لندن
> في الوقت الذي يتهيّأ فيه السودان لأول انتخابات تعدّدية في نيسان (أبريل) المقبل، بما يشبه الارتياح بعد توقيع اتفاق الدوحة، يبدأ تسجيل الناخبين الجنوبيين للمشاركة في استفتاء ٢٠١١ (استفتاء تقرير المصير) وسط تساؤلات كبيرة حول ما يمكن أن يؤول إليه هذا الاستفتاء. والمشهد في الواقع مشهدان: الأول يطلّ فيه السودان وكأنه راغب في الوحدة والتعدّد بعد ٢٤ سنة على غياب الانتخابات، والثاني يطلّ منه سودان آخر يحنّ الى التقسيم (أو الانفصال) بعد خمس سنوات على الاتفاق الذي أعطى الجنوبيين فترة انتقالية لتقرير مصيرهم.
والمؤشّرات تتعاظم الى وجود رغبة جنوبية في الانفصال، الى جانب مؤشّرات أخرى الى رغبة شمالية ضمنّية في تشجيع هذا الانفصال، لأن الحروب التي شهدها السودان أكلت موارده واستنزفت قواه وعطّلت مسيرته، التي يفترض أن يكون معها دولة مهمّة في المعادلة العربية ـ الأفريقية ـ الدولية، وهي حروب لا تزال مرشّحة للتجدّد.
وكثيرون يعتقدون بأن عوامل الانفصال باتت أكبر من عوامل الوحدة بدليل أن:
< حكومة الجنوب فتحت ١٨ مكتباً للحركة الشعبية في عدد من الدول العربية والأفريقية، فضلاً عن الأوروبية، أبرزها إنشاء قنصلية في الولايات المتحدة، الأمر الذي يثير كثيراً من الشكوك لدى الحكومة المركزية، خصوصاً وأن واشنطن منحت مكتب الحركة في أراضيها وضعاً ديبلوماسياً مميّزاً، كالوضع الذي تحظى به تايوان وتيمور الشرقية.
< حكومة الجنوب أنشأت مصرفاً مركزياً خاصاً بالجنوب، وصكّت عملة جنوبية جديدة، كما أنشأت وكالة أنباء جنوبية (وكالة جنوب السودان للأنباء) وإذاعة ومحطّة تلفزيونية، وهي تتفاوض مع شركات اتصالات لإنشاء خدمة هاتف دولي بكود مختلف عن كود السودان الموحّد، فضلاً عن تسجيل المركبات العامة والخاصّة بلوحات تحمل رمز «إن إس» (أي السودان الجديد)، في محاولة لتكريس الادارة الذاتية بشكل انفصالي.
< ترفض حكومة الجنوب سحب الوحدات الجنوبية من بعض مناطق الشمال، بحجّة أنه لم يتمّ ترسيم الحدود النهائية بين الشمال والجنوب، علماً بأن الجيش السوداني سحب ٦٣ في المئة من قوّاته في مختلف الولايات الجنوبية، وأن هذه النسبة وصلت الى ٨٣ في المئة في العام ٢٠٠٧، وكان يتوقّع أن يستكمل هذا الانسحاب قبل موعد الاستفتاء.
< مناهج التعليم في الجنوب جنوبية لا تخضع للمناهج السودانية الرسميّة. وقد تمّ تغيير اللغة الأساسية الى الإنكليزية (العربية لغة ثانية) ومنعت الطالبات من ارتداء الحجاب في أعالي النيل، رغم أن هذه المنطقة تضمّ عدداً كبيراً من المسلمين.
في ضوء هذه المعطيات، هناك من يقول إن الجنوب الذي يتسلّح (برعاية أميركية ـ بريطانية) يتهيّأ فعلاً للانفصال، وهو منفصل بالفعل منذ خمسة عقود جرت خلالها أنهار من الدماء بينه وبين الشمال، وهي حروب حصلت بدفع من قوى تراهن على نهب ثروة السودان وقطع العلاقة بينه وبين بقيّة أطراف القارّة السوداء
وانفصال الجنوب لن يفاجئ أحداً إذا هو حصل في أعقاب استفتاء ٢٠١١، ويمكن الاستدلال عليه في تصريحات المسؤولين الجنوبيين في المرحلة الأخيرة. وفي الأسبوع ما قبل الفائت بالتحديد، استضافت القاهرة على مدى ثلاثة أيام مؤتمراً للحوار بين شريكي الحكم، حضره وفد سوداني حكومي رفيع برئاسة الدكتور نافع علي نافع مستشار الرئيس البشير، في حين قاد وفد الحركة الشعبية باقان أموم الأمين العام للحركة. المؤتمر كشف أن الخلافات لا تزال كبيرة حول مستقبل السودان، وأن خيار الوحدة لا يزال بدوره بعيداً. وقد أدلى أموم بتصريحات واضحة في هذا السياق إذ قال: إن نقطة الخلاف الواضحة والجوهرية والمفصلية في مستقبل السودان هي الدين وعلاقة الدين بالدولة. المؤتمر الوطني يريد للسودان أن يكون دولة إسلامية، ويريد أن يفرض هذا الدين على الآخرين، رغم أن السودان دولة متعدّدة الأعراق والديانات والثقافات. ونحن قلنا إن البشر بطبيعتهم يرغبون في فضاء أوسع ودولة أكبر، إذا هم تمتّعوا بالمواطنة الكاملة وعدم التمييز بين المواطنين على أساس العرق أو الدين أو اللون، ونحن نرى أن السودان يحتاج الى نظام علماني مدني يساوي بين مواطنيه من دون أي تمييز.
أموم أضاف بوضوح كامل: الاستفتاء حق لمواطني الجنوب بموجب اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا كما نص الدستور السوداني الانتقالي، ولا نيّة لتأجيل الاستفتاء على الوحدة، وإذا ما تم الانفصال فسنبني دولتين يكون بينهما سلام، وسنعمل على مصلحة الجنوب والشمال، والحدود سيكون فيها معابر، وإذا اختار شعبنا الوحدة فسنبحث مشروع وحدة وادي النيل ونوسّع فهمنا لوادي النيل، بحيث يشمل ليس مصر والسودان فقط، بل كل دول حوض النيل. وأنا أعلم أن هناك تصوّرات بوجود مخطّطات من القوى العالمية تعمل على تقسيم السودان، لكن يجب أن يتأكّد الجميع أن وحدة السودان أو تقسيمه لن يكونا بسبب أن مصر تريد الوحدة أو أن إسرائيل تريد الانفصال. الموقف سيتحدّد بناء على البرامج والعوامل الداخلية، كل هذا سيتحدّد من موقف المؤتمر الوطني خلال الانتخابات الرئاسية والتشريعية. فإذا شعر المواطنون بأنهم بدأوا يستعيدون وضعهم كمواطنين لهم الحق في كل شيء، وأن هناك اعتباراً واحتراماً لصوتهم الانتخابي، فإن المزاج العام للجنوب سيكون قريباً من الوحدة، لكن إذا لم يحدث هذا، فإني أعتقد أن فرص الانفصال ستكون أكبر. ونحن ندعو الجميع الى عدم التخوّف من الاستفتاء لأنه حق للمواطنين، وحق تقرير المصير هو آليّة لتحديد رغبة الجماهير، وإذا حاول أي شخص فرض الوحدة من منطلق أنها الأفضل، فسنرجع الى الوراء، لكن الاحتكام الى الغالبية وسيلة للابتعاد عن الحروب، ولهذا نحن نحذّر من أي محاولات لفرض الوحدة على الجنوب، لأن الحروب التي وقعت في السودان خلال ٥٠ عاماً كانت بسبب محاولات فرض الوحدة بالقوّة أو بالقانون على الجنوب، وأي محاولة جديدة لفرض الوحدة بالقوّة ستقود الى الحرب. نعم نحن الآن بعيدون جدّاً عن الحرب، ولا يمكن أن نفكّر فيها، لكن الاستفتاء حق أصيل لشعب الجنوب، وفرض الوحدة بعيداً عن رغبات المواطنين سيقود حتماً الى نتائج وخيمة، ولا يستبعد أن نصل وقتها الى الحرب.
الزعيم الجنوبي قال أيضاً بعد محادثات القاهرة: لا بد من أن يعلم الجميع بأن العنف في الجنوب قبل توقيع اتفاقية السلام في العام ٢٠٠٥ كان كبيراً للغاية، لكن لم يسلّط عليه الضوء، وبعد توقيع الاتفاقية عملنا على ضبط استخدام السلاح ونجحنا في ذلك بنسبة كبيرة جدّاً، لكن العودة الى العنف في الجنوب جاءت لأن المؤتمر الوطني هو الذي يوزّع السلاح على المارقين في الجنوب، ويقوم ببناء ميليشيات لزعزعة الاستقرار والأمن. ونحن سلّمنا شركاءنا في المؤتمر الوطني مستندات تؤكّد هذه الاتهامات أثناء حوارنا في القاهرة، وقد رصدنا في الحركة الشعبية عدداً من عمليات تدريب الميليشيات المسلّحة، وهناك مستندات تدلّ على ذلك، ونرى أن هذا يفتّت السودان ويزيد في نزعة الانفصال. كل ما يشغل المؤتمر المؤتمر الوطني هو احتلال مناطق البترول، وكأن الوحدة لا تهمّ حكّام الخرطوم، ونحن نحذّر من ذلك لأن التأثير السلبي لزعزعة استقرار الجنوب لن ينعكس سلباً على الجنوب فقط، لكن على الشمال أيضاً، لأننا سنكون أقرب جار حتى في حال الانفصال. هناك فريق في المؤتمر الوطني لا يعير أي أهميّة للوحدة، ونحن حريصون على الوحدة ونعمل جاهدين ليكون خيار الوحدة بين الشمال والجنوب هو الخيار المقبل للمواطن الجنوبي عند الاستفتاء، وللأسف الشديد هذا الحراك السياسي في السودان تمّ في إطار صراع سياسي فكري عسكري قاد الى ظاهرة الحروب الأهليّة. والسودان خلال ٥٠ عاماً أصبح من أكثر الدول التي فيها عنف سياسي تجاه مواطنيه، ويوجد ثلاثة ملايين مواطن يعتمدون على الأمم المتحدة والمجتمع الدولي للحفاظ على حياتهم، والاحصاءات الأميركية تقول إن من بين كل سبعة نازحين في العالم هناك سوداني.
طبول
هذا الكلام يتزامن مع طفرة إعلامية وصخب في الشارع تمهيداً للعملية الانتخابية التي لم تعد بعيدة، وهي عملية يشارك فيها الجنوبيون بالطبع، ويمكن أن تنعكس سلباً أو إيجاباً على مصير الاستفتاء في العام المقبل، ويسجّل المراقبون أن شوارع الخرطوم وطرقاتها العامّة قد امتلأت هذه الأيام بصورة رئيس الجمهورية (مرشّح المؤتمر الوطني لرئاسة الجمهورية) المشير عمر البشير، مؤطّرة في لافتات بمقاسات مختلفة وموزّعة بشكل متناسق، وفي خلفية الصورة مشاهد لمشاريع تنموية وخدماتية، وتعدّ هذه لفتة ومبادرة قصد منها محاولة استخدام ثقافة الصورة واستغلالها ودورها الدعائي لاستمالة الناخبين، باعتبار أن الصورة أصبحت في عالم اليوم تحكم وتتحكّم في مزاج الفرد وذوقه وسلوكه وتحديد اتجاهاتها وميوله، وصورة واحدة معبّرة يستطيع بها المرء كسب العديد من أصوات المقترعين وهو ما يسمّى بـ«اقتناص اللحظة» عبر عرض مظاهر ومناظر جاذبة ومثيرة بأسلوب مبتكر.
باختصار، إنها صورة الرئيس البشير وهو يتحدّى العالم ويضرب بقرار محكمة الجنايات الدولية عرض الحائط، ثم يردف القول بالعمل عندما تحلّق طائرته الرئاسية في أجواء دول الإقليم وتهبط على مطارات: أسمرا، طرابلس، الدوحة، مكّة المكرّمة، أديس أبابا والقاهرة، ثم يصل الى الخرطوم ليرسّخ ويرسم في أذهان العالمين الداخلي والخارجي صورة انطباعية لرجل شجاع وجريء ومقدام وصاحب إرادة وشخصية قويّة، وهذا قطعاً مشهد تاريخي. إنه الرئيس البشير في سيارة مفتوحة وهو يرتدي زيّه العسكري، وتستقبله الجماهير على جانبي الطريق وتزفّه في مشهد مهيب من وسط أم درمان مروراً بأحياء الثورات والجرافة والحتانة وقرى كرري، وصولاً الى الكليّة الحربية، ليقف على منصّة الاحتفال مخاطباً الشعب السوداني في بثّ مباشر عبر التلفزيون، وحين ينتهي المهرجان الخطابي تعزف الموسيقى وتقرع الطبول والنحاس وينشد المغنّي بأعلى صوته من خلال «الساوند» ويغرّد: «كيف يكون الحال لو ما كنت سوداني وأهل الحارة ما أهلي»، فتأخذ الحماسة بالرئيس البشير ويحمل عصاه «الأبنوس»، ويرقص ويعرض ثم يهزّ ويلوّح بكلتا يديه للحضور الذي يتفاعل معه، فتزغرد النساء ويهتف الرجال وترتفع أصواتهم بالتكبير والتهليل والهتافات بشكل استعراضي، تنتفي وتنعدم عنده كل الهواجس والمخاوف، وتتبدّد تماماً دعاوى ومزاعم ما ظلّت تروّج له وسائل الاعلام الغربية من أن الرجل يقود نظاماً إرهابياً أو متورّطاً وضالعاً في جرائم الحرب ضد الإنسانية أو الابادة الجماعية والتطهير العرقي.
وبالطبع إن مثل هذه المواقف تتناسب تماماً مع مزاج الشعب السوداني الذي تستهويه المواقف الرجولية الحاسمة في اللحظات المفصليّة، ولعلّ هذا ما يجعل أسهم الرجل ترتفع بشكل مضطرد وتكبر صورته في نفوس الناس حتى المخالفين له في التوجّه. وما يتبادر الى ذهن المواطن حين يكون على المركبة العامة، مارّاً بالطرقات التي عليها لوحات البشير، أن هذه الشخصيّة تكاملت فيها كل عناصر رجل الدولة وعواملها ومقوّمات الزعامة والكاريزما السياسية، وأنه جدير بالتكليف وفاقاً للخبرة والتجربة والقدرة على التعاطي والتعامل مع هذا الواقع بتعقيداته المختلفة وظروفه المتقلّبة خلال الـ٢٠ عاماً الماضية.
ويبقى السؤال مطروحاً: هل يتجاوز السودان امتحان التعدّدية في نيسان (أبريل) المقبل، وامتحان الوحدة في العام المقبل بنجاح؟
ثورة الصورة والضوء لا تكفي للاجابة عن هذين السؤالين، والعام ٢٠١٠ مرصود على احتمالات عدّة، لا يغيب عنها شبح انفصال الجنوب! > |