عراق ما بعد الانتخابات
لا شيء، أو لا شيء تقريباً يدل على أن عراق الانسحابات الأميركية الأولى في العام ٢٠١٠ سيكون هادئاً آمناً وموحّداً. ألف سؤال وسؤال يرتسم منذ الآن في الأفق العراقي ولا يقين.
سيناريوات وثلاث دول ترتسم حتى الآن في الأفق، بعد انتخابات ٢٠١٠ (المقررة في أواخر آذار/مارس) المقبل، والمشاهد مختلفة، بعضها أفضل من بعضها الآخر. والاحتمالات تراوح بين هيمنة طرف واحد على بلاد الرافدين وانتصار المقاومة، والذهاب الى الفدرلة... واستمرار الاحتلال الأميركي بكل ما يعنيه من مراوحة في اللاوحدة واللامصالحة واللااستقرار.
السيناريو الأول هو تحرّك العراق، كما يحصل منذ خمس سنوات، في اتجاه بناء دولة عاملة، إذ يقدّم زعماء الشيعة والأكراد والسنّة تنازلات متبادلة، تتمثّل في الاتفاق على تحقيق مصالحة تاريخية، وتوزيع أكثر عدلاً للعائدات النفطية بما يخدم كلّ الطوائف والأعراق والقوميّات، ويقود في النهاية الى إعادة لملمة الأجزاء العراقية في ظل مؤسّسات واحدة، لكن هذا الاحتمال يبدو بطيئاً ومتعثّراً.
السيناريو الثاني هو ما يمكن تسميته السقوط في الجحيم، جحيم الفدرالة أو التقسيم أو التمزّق... أو اللادولة، ومثل هذا السيناريو يتمثّل، في مرحلة ما بعد الانسحابات الأميركية باحتمالات أربعة:
< تقوم إيران باستغلال الفرصة لملء الفراغ، حيث سيدعم الإيرانيون على الأرجح الشيعة العراقيين لإحكام سيطرتهم على الحكومة والسلطة، ولعل الخطاب الذي ألقاه الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، مؤكداً فيه أن إيران وغيرها من دول المنطقة الصديقة كالسعودية، مستعدّون لملء فراغ السلطة المتوقّع في العراق، يؤكد الصورة التي رسمها ذلك التصوّر.
< الاحتمال الثاني يفترض أن المقاومة العراقية ـ وهي سنّية في معظمها ـ يمكن أن تحقّق نصراً سريعاً على الميليشيات الشيعية، وتسيطر على كل العراق وتقيم جمهورية إسلامية راديكالية تصبح قاعدة لمطاردة النفوذ الأميركي والوجود الإسرائيلي في المنطقة.
< احتمال أقلّ سوءاً بالنسبة الى الولايات المتحدة، يفترض أن تتّفق الدول المحيطة بالعراق على دعم حكومة المالكي أو غيرها، والحيلولة دون سيطرة المقاومة على العراق.
< الاحتمال الأخير هو تحوّل العراق إلى فوضى شاملة، بحيث يتحوّل إلى مناطق مفرزة لعشرات الجماعات التابعة للقاعدة أو غير القاعدة، أو لحزب البعث أو للميليشيات الكرديّة والشيعية، بحيث يتمزق العراق إلى ٣٠ أو ٤٠ «كانتوناً» ويستحيل عند ذلك إقامة دولة من أي نوع كان، وهذا أيضاً سيحوّله إلى مرتع لكل جماعات وعناصر الارهاب من كل الأطياف.
هذا السقوط في الجحيم مطروح على كلّ المستويات إذا استمرّت ألعاب الحرب. ويرى الكولونيل الأميركي المتقاعد غاري أندرسون، أن هناك احتمالات أخرى في سياق هذه التصوّرات، في حال انسحاب القوّات الأميركية، وهي أن تتمكّن الأغلبية الشيعية من طرد السنّة من المناطق المختلطة فتدفع بهم غرباً في اتجاه محافظة الأنبار، أو أن تندلع حرب شيعية ـ شيعية في الجنوب العراقي، أو يعزّز الشمال الكردي «استقلاليته» بشكل أو بآخر، ويدعو القوّات الأميركية الى المرابطة في أراضيه، وهكذا يتحوّل العراق الى ثلاث دول منفصلة.
وفي تقرير أصدره مركز الشؤون الدولية التابع لجامعة نيويورك، رسم ثلاثة سيناريوات محتملة لمستقبل العراق لما بعد الانسحاب الأميركي، الذي يفترض التقرير أنه سيتحقّق بحلول العام ٢٠١٠: يفترض السيناريو الأول ظهور قائد وطني يكون مستقلاّ عن كل اللاعبين الإقليميين والدوليين، ويقوم بتأسيس صدقيّة بوصفه الشخص الذي يوحّد البلاد بجميع طوائفها وقوميّاتها. أما السيناريو الثاني فيقضي باحتواء الفوضى في العراق، بإقناع دول الجوار بأن انتشار الأفكار الثورية وحالة عدم الاستقرار العراقية، ستؤدّي الى تهديد هذه الأنظمة التي عليها العمل سويّاً لتجنّب انتشار حالة الفوضى الى أراضيها. ويتمثّل السيناريو الثالث في انتشار الفوضى وقيام حرب أهليّة تطاول آثارها دول الجوار بطوفان اللاجئين، وتنامي نفوذ الجماعات الارهابية وتهديدها، وتآمر الدول على بعضها بعضاً لتقوّض كل دولة استقرار الأخرى، والساحة هي العراق. وفي هذا الصدد يتوقّع البروفسور جيمس فيرن وآخرين، أن تستمر الحرب الأهليّة في العراق مدة تقارب خمسة الى سبعة أعوام من الآن.
في أي حال، هناك من يرى أن استمرار الوجود الأميركي في العراق، شمالاً أو جنوباً، يقلّص حجم المخاطر على إسرائيل، أما الخروج الأميركي الكامل، فإنه سوف يعطي صدقيّة أكبر للخطاب الذي تتبنّاه الحركات الإسلامية التي سوف ينظر إليها العرب والمسلمون باحترام كبير، باعتبار أنها القوّة التي هزمت الولايات المتحدة. وفي هذه الحال، سوف يزداد الاقبال على الانضمام الى الحركات الجهاديّة في العراق كما في فلسطين كما في دول أخرى، بحيث تفقد كلّ الخطابات الأخرى صدقيّتها في الشارعين العربي والإسلامي.
وفي أي حال، وفي ضوء المجازر الأخيرة التي شهدتها بغداد (١٥٠٠ قتيل وجريح في أقلّ من أربعة أشهر)، ليس من يضمن أن تتواصل العملية السياسية، ولو ببطء، بعد الانسحاب الأميركي. كاتب أميركي متخصّص بدراسة السياسات المستقبليّة، عضو في مجلس إدارة «ذا آرمي ساينس بورد»، هو ألان شوارتز نشر مجموعة دراسات حول العراق بعنوان «حافّة الخطر»، تلاقت على أن الديناميكيات الممكنة تتلخّص في مسألتين: تضاؤل النفوذ الأميركي وتنامي النفوذ الإيراني. وفيما يلي عرض سريع للسيناريوات التي طرحها:
الاحتمال الأكثر قابلية للحدوث هو أن يواصل الأكراد التمتّع بالحكم الذاتي، فيما يعترف السنّة والشيعة بحاجة كل منهما للآخر لبناء عراق موحّد. وتجد الأطراف العراقية المختلفة في محاربة المقاتلين الأجانب الساعين لإثارة التوتّرات في البلاد هدفاً مشتركاً، وسيتطلّب كل ذلك تحقيق توازن حسّاس، من أجل الحفاظ على حكومة وطنية محدودة تعمل على تقليص حجم الانقسامات العرقية والطائفية. هذه التحرّكات ستلقى زخماً إيجابياً بعودة بعثة الأمم المتحدة كاملة الى البلاد، وعرض البنك الدولي مساعدات كبيرة على بغداد، ومع تحسّن الأوضاع يقبل المستثمرون على العراق.
يتميز هذا الاحتمال بطابع إيجابي، وستعمل الولايات المتحدة على تعزيز إمكانية تحقّقه، لكن من الشروط الضرورية اللازمة مسبقاً لتحقّقه: الاتفاق على عدم بناء منطقة يهيمن عليها الشيعة في جنوب العراق، توزيع عائدات النفط بصورة أكثر إنصافاً، تخفيف حدّة عملية نزع الصبغة البعثية عن الدولة العراقية، وهنا يجب على واشنطن بناء مجتمع مدني، وتعزيز المؤسّسات المعتدلة للمساعدة في تشكيل هويّة عراقية، وتقوية الحكومة المركزية والحكومات المحلّيّة، بحيث تتمكّن من خلال برنامج العمل الاجتماعي التابع للوكالة الأميركية للتنمية الدولية، من توفير الخدمات اللازمة لمشروعات البنية التحتية الصغيرة، وتطوير قانون الانتخابات. وستشجّع واشنطن ـ بالتعاون مع الحكومة العراقية ـ الدول المجاورة للعراق على الامتناع عن التدخّل في شؤونه الداخلية، وخلق مسافة بين الشيعة العراقيين وطهران، من خلال تأييدها للحوزة العلمية والعناصر الإسلامية المعتدلة الأخرى، كما ستزيد تعاونها العسكري مع العراق، إلى جانب تعاونها مع حلف «الناتو» في مجال تدريب القوّات العراقية، وستركّز كل من واشنطن وبغداد على المقاتلين الأجانب داخل البلاد.
لكن فشل العملية السياسية وارد، وفي هذه الحال تكون المحصلة النهائية تشكُّل مجموعة من الاقطاعيات. ورغم بقاء الكتلتين الشيعية والكردية ـ وهما أكبر كتلتين على مستوى البلاد من حيث الحجم ـ فإنهما تفتقران إلى القدرة على تمثيل مصالح أفرادهما بفاعلية، جرّاء الصبغة الطائفية التي باتت تسود الوزارات. وبصورة عامة، تتّسم الحكومة العراقية بالضعف والعجز عن توفير الخدمات على المستوى الوطني، وتتفاقم الانقسامات بين الجماهير على امتداد الخطوط العرقية والطائفية، ويعاني السنّة التهميش مع توافر خيارات ضئيلة أمامهم. أما عملية تفكيك حزب البعث فتكتمل، ويصبح تواجد السنّة غير مرحّب به إلا داخل مناطق تركّزهم. وبالنسبة الى حركة التمرّد السنّيّة فإنها تتّسم بالكثافة في بدايتها فقط، حيث تعجز عن الدخول في منافسة عسكرية مع الميليشيات الكردية والشيعية الأكثر تنوّعاً والأفضل عتاداً. وهنا تنقل الولايات المتحدة قوّاتها إلى قواعد نائية، ولا تودّ التدخّل في شؤون العراق اليوميّة، خصوصاً وأن العراقيين، بمرور الوقت، سيبدون عدم حاجتهم لوجود تلك القوّات على أراضيهم.
وسوف تشهد المناطق المختلفة عمليات تطهير عرقي. ومع تفاقم الانقسامات، تتحوّل العاصمة بغداد إلى صورة من بيروت أثناء الحرب الأهلية، حيث تساعد العصاباتُ الميليشيات في فرض الحدود الفاصلة بين مناطق نفوذ مختلف الطوائف، وبحلول العام ٢٠١٠ تصبح البلاد منقسمة فعلياً إلى ثلاث مناطق، وهو ما يلحق المزيد من الضعف بالحكومة الوطنية ويقلّل من أهمّيتها. وتبعاً لهذا التصوّر، سيكون هدف واشنطن الأكبر ليس تحسين الأوضاع داخل البلاد، وإنما تجنّب وقوع كوارث كبرى. ومن أجل الحيلولة دون تفكّك العراق، فستحرص واشنطن على الابقاء ـ على الأقلّ ـ على مظهر الدولة الموحّدة على أمل أن تتمتّع الحكومة المركزية بقدرات أكبر في المستقبل.
وستحاول الولايات المتحدة مساعدة بغداد على العمل كعاصمة حقيقية للبلاد، بمنعها من التحوّل إلى بيروت جديدة. وسوف تعمد واشنطن إلى استخدام الحوافز الاقتصادية للمساعدة في الابقاء على العراق موحّداً من خلال خلق مساحة تجارية موحّدة، عبر إقرار العراق قانوناً تجارياً وطنياً لتشجيع بناء مؤسّسات تجارية وطنية بالمعنى الحقيقي، وجذب المزيد من الاهتمام الاقتصادي الخارجي إلى البلاد. ولأن غالبية السلطة ستكمن في يد الحكومات الإقليمية، فستحاول واشنطن والحكومة العراقية إحراز قدر أكبر من المساواة في توزيع السلطة بينهم، خصوصاً لتحسين موقف السنّة، كما سيسعى الجانبان للحصول على دعم دولي في مجالات التدريب وإنشاء البنية التحتية.
وستعمل واشنطن وبغداد على تقليص النفوذ الإيراني، من خلال دمج الميليشيات المختلفة في قوّة وطنية أكثر اتّساقاً، وستعملان كذلك على تناول القضايا الحدودية بالتعاون مع الدول المجاورة.
والاحتمالات الأخرى تظلّ مطروحة، وأبرزها أن تتحوّل حركة التمرّد إلى حرب إقليمية، فلا يُدخِل العراقيون تغييرات كبرى على الدستور، وتتنامى قوّة الميليشيات وتتزايد مسؤوليّتها عن الحفاظ على النظام، وتسفر الانقسامات الطائفية والعرقية عن ظهور منطقة يهيمن عليها الشيعة تماماً في الجنوب يمكن وصفها بـ«شيعستان»، في الوقت الذي يتنامى فيه النفوذ الإيراني في هذه المنطقة. وسعياً من جانبها للحيلولة دون تكرار هذا السيناريو من قبل الأكراد، تبرم أنقرة صفقة تتعهّد بمقتضاها بعدم التدخّل في كردستان المستقلّة فعلياً (بما في ذلك كركوك)، واستمرار العلاقات التجارية عبر الحدود، مقابل حماية التركمانيين وعدم السعي لتغيير الحدود القائمة. وداخل المجتمع الشيعي تؤدّي الحاجة لاختيار خليفة لآية الله الكبرى علي السيستاني إلى اندلاع صراع علني على السلطة داخل الجنوب الشيعي، يعقب ذلك صعود عمّار الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق بمباركة طهران، وأفول نجم الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، وفي تلك الأثناء تقيم الميليشيات الشيعية في المنطقة نقاط تفتيش حدودية، وتعمل على طرد السنّة من بغداد. أما السنّة فيفتقرون إلى الموارد ويُحصَرون بين كردستان ذات التسليح المكثّف و«شيعستان» التي تدعمها طهران، وتعمل بغداد العاصمة بالكاد، وتبدو كمرآة تعكس الانقسامات العرقية والطائفية في البلاد، وتصبح منقسمة بشكل متزايد إلى أحياء منعزلة تعصف بها تلك الانقسامات. وتغضّ القوّات الأميركية طرفها على مضض عن عملية فصل المجموعات العرقية والعنصرية المختلفة، وتصبح مسألة ضمان سلامة السكان النازحين المطلب الأمني الأول، وفي الوقت ذاته تتداعى قوّات الأمن العراقية.
وعلى الصعيد الخارجي، تتعهّد كل من السعودية والأردن بدعم السنّة الذين تحاول ميليشياتهم التصدّي لنظيراتها الشيعية، وتحذّر كل من إيران والحكيم من التدخّل السنّي الخارجي أو الدعم الأميركي للسنّة، وأخيراً توجّه طهران ضربة الى وسائل النقل ومنشآت الانتاج النفطيّة السعودية. وينطوي هذا السيناريو على تحدّيات كبرى مع عدم توافر شيء سوى مجموعة من الخيارات العسيرة لتجنّب الوصول إلى نتائج سلبية من خلال العمل ـ على الأقلّ ـ على احتواء الصراع داخل العراق، وتجنّب تحوّله إلى حرب أوسع نطاقاً. وسيتعيّـن على بغداد الحفاظ على حكومة وحدة وطنية، ويتطلّب ذلك مساعدة نشطة من مختلف الأطراف، وكذلك مساعدة السعودية، لكبح جماح النشطاء الإقليميين من السنّة الذين عمدوا إلى توسيع الهوّة بين السنّة والشيعة في العراق. وستسعى واشنطن وبغداد وراء المشاركة النشطة من جانب الدول العربية المجاورة لإقرار بعثات ديبلوماسية في العراق، والتشجيع على تبادل البعثات الرسمية، وسيهيب الجانبان بمنظّمة المؤتمر الإسلامي إلى المساعدة في الحد من روح الانقسام والفرقة في البلاد، كما ستعمل واشنطن وبغداد على تشجيع التصالح الديني في البلاد من خلال القيادة العربية المسلمة، والاستعانة برجال الدين السنّة المصريين، وتشجيع السعودية على المشاركة في البلاد. كما سيتعيّـن على الجانبين إحراز تحسّن على الصعيد الأمني في العراق، عبر التركيز على إضفاء الصبغة الحرفية على قوّات الأمن والشرطة العراقية، وسيتطلّعان نحو الدول العربية المجاورة لضمان أمن الحدود.
أما واشنطن فستعمد إلى استغلال سياسة العصا والجزرة تجاه طهران، لتثبيطها عن خوض أي مغامرات في ما يخصّ العراق، علاوة على إعادتها لنشر قوّاتها وإعادة بعضهم إلى الوطن، وتمركز بعض القوّات المتبقّية في المناطق الكردية والكويت، وستعمل واشنطن وبغداد على ضمان مساعدة كل من تركيا والكويت والسعودية للحيلولة دون انزلاق المنطقة إلى هوّة الحرب.
ويستدلّ من دراسة نشرت أخيراً لمركز حقوق الدراسات الاستراتيجية التابع لحزب القوى الوطنية والتقدّمية «حقوق»، أن الفترة المقبلة التي سيمرّ بها العراق ستكون الأصعب والأكثر خطورة، بسبب عدم وجود أحزاب أو كيانات سياسية ليبيرالية وطنية تؤمن بوحدة العراق أرضاً وشعباً، وتنبذ التخندق العرقي والطائفي والحزبي والتبعيّة للأجنبي، وتحارب الفساد المالي والاداري، وتعتمد خططاً جدّيّة لإعادة إصلاح مؤسّسات الدولة وتأهيلها، وتطهيرها من آثار المحاصصة الحزبية، وخصوصاً القوّات المسلّحة بمؤسّستيها الدفاعية والأمنية، وإعادة الحقوق المهضومة الى شرائح عريضة من الشعب العراقي، والحد من ثقافة العنف والثأر والانتقام والاعتقالات العشوائية التي ملأت المعتقلات بعشرات الألوف وغيرها، كذلك لعدم وجود إرادة سياسية صلبة تتجاوز المحاصصة المقيتة، لافتقار أغلب الأطراف الى الجدّيّة والصدقيّة والحكمة، وتعويلها على الجمل الخطابية ذات الاستخدام المزدوج، في محاولة منها لتحويل المشهد السياسي الى ساحة مساومات أساسها المكاسب مقابل الشعارات، رغم سقوط ورقة التوت عن الأحزاب العنصرية والطائفية، وانكشافها على حقيقتها بممارساتها في الحكم على مدى السنوات المنصرمة التي لم يجن منها الشعب العراقي غير مئات الألوف من الشهداء، وضعفهم جرحى ومعاقون، ونصف مليون معتقل ومليون أرملة وثلاثة ملايين يتيم وأربعة ملايين مهجّر، و٤٠٪ من القوى العاملة تشكو البطالة، و٤٣٪ من الشعب العراقي يعيشون تحت خط الفقر، و٧٥٪ لا يتحصّلون على مياه صالحة للشرب، وقصور واضح لنقص الطاقة الكهربائية وخراب لشبكات الصرف الصحّي، وتفاقم ظاهرة النفايات وتراجع ملحوظ في مستويات الصحّة والتعليم والبيئة.
وتبقى المشكلة تكمن في ضعف التيار الوطني ـ الليبيرالي ـ المتحضّر الذي يتجاوز النزعات المتخلّفة، ويسعى حقيقة الى بناء دولة معاصرة تقاد على أساس الاخلاص للوطن كلّه، والمعرفة، والخبرة، والنزاهة... ومع أن هذا التيار موجود وله مكانته بين الناس، ولكن ينقصه توحيد الجهد والتنظيم الذي يجمع أحزابه وشخصياته. كل ذلك يستدعي وعياً من الناخبين لرفض انتخاب أصحاب الشعارات الذين استهلكتهم سنوات ما بعد الاحتلال، وغلّبوا مصالحهم الشخصيّة والحزبية والعنصرية والطائفية على مصالح الناس، وانتخاب مرشّحين يتوافر فيهم الحد الأدنى من المؤهّلات العلمية، والخبرة المهنية، والعفّة والنزاهة والحسم والحزم في تنفيد المشاريع التي تصبّ في خدمة المواطنين الذين ضاقوا ذرعاً من الوعود الكاذبة والشعارات الزائفة.
هل يكسب العراقيون الرهان على إعادة توحيد بلادهم بعيداً عن كل السيطرات الإقليمية والدولية؟.
مجلس النواب الجديد قد يكون بداية الجواب. |