Issue number 728 Last updated: Saturday, 06 February 2010, 04:23 GMT
آخر الاخبار:   



كاريكاتير هذا الاسبوع

ارشيف

نسخة سهلة الطبعارسل هذا الموضوع لصديق

جبهة سداسيّة عريضة وتوازن استراتيجي جديد

ورشة المصالحات العربية

 

سبعة أسابيع تفصل العرب عن موعد انعقاد القمّة الدوريّة المقبلة (القمّة ٢٢) في طرابلس. والمشاورات التي بدأت بانعقاد القمّة السورية ـ الليبية، ولقاء القذّافي مع مشعل، تتواصل بقصد تسريع المصالحة الفلسطينية ـ الفلسطينية، وتهيئة الأجواء العربية ـ العربية لحدّ أدنى من التلاقي في مواجهة تحدّيات المرحلة المقبلة. في انتظار استكمال المصالحات، ثمّة من يلمح بوادر تشكّل جبهة استراتيجية عريضة سداسيّة الأضلاع بعد انعقاد القمّة، من شأنها أن تحدث انعطافاً حادّاً في التوازنات القائمة، وتعيد رسم المشهد الإقليمي بصورة واضحة. عن أي جبهة نتحدّث؟

 

 

«المشاهد السياسي» ـ لندن

 

> الجبهة التي نعني لم تتبلور ملامحها حتى الآن بصورة نهائية، إلا أن الحيثيّات التي تنطلق منها قائمة للاعتبارات الآتية:

< لقد أكدت قمّة الأسد ـ القذّافي الأخيرة على تشكيل المجلس الاستراتيجي الأعلى المشترك للعلاقات السورية ـ الليبية. ورغم عدم وضوح التفاصيل والخطوط العامة لجدول أعمال هذا المجلس، لأن الطرح لا يزال في بداياته، فإن الفترة المقبلة سوف تشهد دخول دمشق وطرابلس في المزيد من التفاهمات على قيام هذا المجلس، الأمر الذي يترتّب عليه دخول المنظومة الليبية ـ السورية في منظومة أكثر اتّساعاً تضم أنقرة وطهران وبيروت فضلاً عن الدوحة. هذا يعني أن التفاهم السوري ـ التركي ـ الإيراني ـ اللبناني ـ القطري، سوف يكسب رافداً جديداً هو ليبيا، التي سوف تتسلّم رئاسة القمّة للعام المقبل، وسط فتور ليبي ـ خليجي، وليبي ـ مصري، وليبي ـ أردني، وليبي ـ مغاربي، بسبب التوتّرات السابقة.

< إن المساعي الليبية الناشطة لإنجاز مصالحة عربية شاملة قبل موعد القمّة، يضفي أكبر قدر من الحيويّة على علاقات ليبيا العربية، سوف يستند في الأسابيع المقبلة الى المنظومة السداسيّة الأضلاع التي بدأت تتشكّل بعد القمة الليبية ـ السورية، وهي منظومة تناهض بوضوح التوجّهات السياسية الأميركية في المنطقة، وهي توجّهات تقدّم مصالحها على أي اعتبار آخر. ومعروف أن دمشق بذلت في المرحلة الأخيرة جهوداً كبيرة في تعزيز الروابط التركية ـ العربية، والروسية ـ العربية، وهي تتوجّه في هذه المرحلة الى تعزيز الروابط مع الشمال الأفريقي، لكنها لم تتوهّم بالطبع أنها قادرة على الضبط الإقليمي لمواقف ٢٢ دولة عربية على إيقاع واحد، وهذا يعني أن المنظومة الأولى القائمة، والتي تتلاقى على خيارات عريضة واضحة، (أي المنظومة السداسيّة)، سوف تزداد تماسكاً في الأشهر المقبلة، في الوقت الذي يتواصل الجهد لجمع الأطراف العربية الأخرى على رؤية مشتركة.

< يعزّز التلاقي السوري ـ التركي ـ الليبي ـ القطري ـ اللبناني، أن العلاقات التركية ـ الإسرائيلية التي شهدت تقارباً واضحاً خلال العقود الأخيرة، على أساس حسابات تقول إن إسرائيل جسر عبور تركي الى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، دخلت في الفترة الأخيرة منعطفاً تغلب عليه حالة التوتّر وعدم الثقة، وهو توتّر تصاعد بعد العدوان الإسرائيلي على غزّة، الأمر الذي استتبع خيارات استراتيجية تركية بديلة. ويبدو أن حالة اللاثقة التي تطبع علاقات أنقرة وتل أبيب سوف تظل تهيمن على الديبلوماسية التركية في الأسابيع والأشهر المقبلة لمصلحة التقارب التركي ـ العربي ـ الإيراني. ومع استمرار انتقادات رئيس الوزراء التركي رجب طيّب أردوغان السياسات الإسرائيلية في قطاع غزّة، فإن الغيوم العالقة في العلاقات الثنائية لن تتبدّد بالسهولة التي يتصوّرها بعضهم.

< في ما يتصل بإيران لم يعد سرّاً أن «فترة السماح» التي أعطتها إدارة أوباما لطهران قد انتهت، وأن التحضير بدأ عمليّاً لإقرار عقوبات جديدة في مجلس الأمن لردع طهران عن المضيّ في برنامجها النووي. التوجّه الغربي الجديد يقول بحرمان الجمهورية الإسلامية من الحصول على البنزين، ودفع مسار الضغوط الديبلوماسية وتصعيدها الى أبعد حد ممكن. هذا التوجّه يلقي ظلالاً رمادية على العلاقات الأميركية ـ الصينية بسبب تحفّظ الصين على هذه العقوبات، الأمر الذي ردّت عليه واشنطن بعقد صفقة تسلّح ضخمة مع تايوان بقيمة ٦.٤ مليارات دولار. وتشتمل الصفقة على ١١٤ بطارية صواريخ ضد الصواريخ من طراز «باتريوت» وسفن كاسحة للألغام، و٦٠ مروحية مقاتلة من طراز بلاك هوك، وأجهزة اتصال لطائرات «إف ـ ١٦» تملكها تايوان.

والضغوط الخارجية على إيران تعني، في جملة ما تعني، أن الجمهورية الإسلامية سوف تسعى الى تعزيز علاقاتها الإقليمية، وتحصين تحالفاتها الحالية، ولعب دور أكبر في الأزمة الأفغانية، من أجل تخفيف وطأة الضغوط الأميركية. في هذا السياق توقّع مستشار الأمن القومي الأميركي جيمس جونز أن تصعّد إيران العنف في المنطقة خلال المرحلة المقبلة، من خلال حلفائها الإقليميين في غزّة وفي لبنان، بسبب التوتّرات السياسية الداخلية وتزايد الضغوط الخارجية على النظام.

 

مشهد جديد

باختصار، هناك مشهد إقليمي جديد يرتسم في الأفق، ويمكن الاستدلال عليه من خلال مؤشّرات واضحة في المرحلة الأخيرة، تنبّه إليها كبار المحلّلين الاستراتيجيين. فقد دعا كاتب بريطاني الرئيس الأميركي باراك أوباما والدول الأوروبية إلى التنبّه إلى الدور التي باتت تلعبه كل من تركيا وإيران في الشرق الأوسط، وقال إن أنقرة تريد أن تستعيد أمجاد الإمبراطوية العثمانية غير آبهة بتحالفها مع واشنطن أو عضويّتها في الاتحاد الأوروبي. وقال ألستير كروك، وهو مسؤول سابق في المخابرات البريطانية ومؤلّف كتاب «المقاومة جوهر الثورة الإسلامية»، إن الولايات المتحدة ودول أوروبا ما انفكت تسعى لإيجاد حلول للصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني والحرب على أفغانستان والبرنامج النووي الإيراني. وأوضح أنه بينما يسعى الغرب لإيجاد حلول لأزمات الشرق الأوسط، تسعى تركيا جاهدة لسحب البساط من تحت أقدام الأوروبيين في المنطقة، عبر تقوية علاقاتها بإيران وتقرّبها من جيرانها في دول المنطقة، أو أراضي الإمبراطورية العثمانية السابقة في آسيا والشرق الأوسط.

ومضى الكاتب يقول إن الأسباب وراء اندفاع تركيا إلى جيرانها أو تقرّبهم منها ليست بالضرورة تكمن في نيّة أنقرة الابتعاد عن أوروبا، وإنما بسبب أجواء ومشاعر عدم الارتياح والاحباط إزاء السياسات الأميركية والأوروبية، بدءاً من دعمها تل أبيب بالحرب الإسرائيلية على غزّة، وانتهاء بتأييد الموقف الإسرائيلي إزاء البرنامج النووي الإيراني.

وأضاف كروك أن تحرّك أنقرة في المنطقة هو أيضاً صدى للنهضة الإسلامية التي تشهدها تركيا. ومضى إلى أن تركيا باستمرارها في نهجها الراهن، ستشكّل عنصراً استراتيجيّاً مهمّاً لموازنة القوّة الإيرانية الإقليمية، التي برزت عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، وتدمير ما سمّاه الكاتب «الهيمنة السنّية» في العراق بالغزو الأميركي.

وأشار الكاتب إلى قيام تركيا أخيراً بتوقيع اتفاقيات عدة مع كل من العراق وإيران وسورية، وقال إن ذلك يعكس رؤية سياسية جديدة مشتركة للجميع، بالاضافة إلى اتفاقية أخرى بين تركيا وأرمينيا لحسن الجوار بين البلدين. وأوضح كروك أن الاتفاقيات بين تركيا وإيران والعراق وسورية لها أيضاً أبعاد اقتصادية هامّة، حيث ستصبح تلك الدول المزوّد الرئيسي لأوروبا الشرقية بالغاز الطبيعي، خصوصاً مع اكتمال بناء خط نابوكو (خط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي من تركيا إلى النمسا عبر بلغاريا ورومانيا والمجر، وتصفه موسكو بأنه مشروع معاد لروسيا). وأضاف أن مشروع نابوكو سيؤدّي ليس إلى عزل روسيا عن دورها في تزويد المنطقة بالغاز فقط، وإنما التقليل بشكل تدريجي من أهميّة الدور السعودي في شأن الاحتياطي النفطي.

وقال الكاتب إنه وبسبب الركود الاقتصادي والأزمات المتعاقبة التي ساهمت في إضعاف مصر، فمن الواضح أن من يسمّون بمحور الاعتدال من الدول الشرق أوسطية باتت ضعيفة ولا يعوّل عليها. وأوضح أن العقوبات ضد إيران سيكون مصيرها الفشل. وعلّل ذلك بالقول إنه ليس بسبب أن روسيا والصين لن تقوما بدور عقابي جدّي ضد إيران، وإنما لأنه تبيّـن أن دول الاعتدال العربية الحليفة للغرب ما هي إلا نمر من ورق. وقال كروك أيضاً إن دول الاعتدال العربي ليس في وسعها مجابهة إيران وحلفائها، خصوصاً وأن الآمال بأن يؤدّي الهجوم السعودي ضد الحوثيين في اليمن إلى إثارة غضب السنّة ضد إيران الشيعية، فشلت ولم تتحقّق على أرض الواقع، حيث ينظر للهجوم السعودي على أنه مناصرة قبلية وتدخّل في شؤون الآخرين وصراعاتهم. وأشار إلى أن رئيس الوزراء التركي رجب طيبّ أردوغان لم يكتف بتهنئة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بفوزه بانتخابات الرئاسة، بل ذهب إلى القول إن من حق إيران كأمّة مستقلّة القيام بتخصيب اليورانيوم، مضيفاً أن أردوغان لا يبدو قلقاً إزاء القوّة الإيرانية كما هو حال القادة الغربيين.

في السياق نفسه، قال أمين مجمع مصلحة تشخيص النظام في إيران محسن رضائي، إن انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء دوره السابق في المنطقة، وفشل أميركا في العراق وأفغانستان، ضاعفا من أهميّة الدورين الإيراني والتركي في المنطقة، وفي إمكان إيران وتركيا وباقي دول المنطقة تشكيل قوّة واحدة، وحلّ القضايا العالقة من دون تدخّل أجنبي. وإذ أكد أن لدى إيران وتركيا مواقف مشتركة في المدى الاستراتيجي، قال إن الصمود في وجه إسرائيل هو أحد هذه المواقف.

هذا الكلام أبلغه الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الى رئيس الوزراء التركي رجب طيّب أردوغان في أواخر العام الفائت، على هامش رحلة قام بها أردوغان الى طهران، إذ قال: إن التعاون الإقليمي، خصوصاً بين إيران وتركيا، يمكن أن يضع حدّاً لتدخّل الغرب في المنطقة، وأن يؤسّس لنظام إقليمي جديد، وبالنسبة الى إيران ليس هناك أي حدّ للتعاون مع تركيا.

 

الدور المصري

نعود الى الجبهة السداسيّة لنقول إنها تشكّل، الى حد بعيد، التوازن الاستراتيجي البديل، بعدما سقطت مسلّمات كثيرة حكمت استقرار المنطقة في ربع القرن الأخير. وليس سرّاً أن مصر التي لعبت طوال العقدين الأخيرين دوراً مركزيّاً في القرار العربي، فقدت تأثيرها لدى إسرائيل كما في المنطقة، منذ أن قرّرت أن تتراجع الى الظل، بحجّة أنها أرهقت من المواجهة، وقد أقنعت نفسها وجزءاً من الشعب المصري، بأنها قدّمت ما يكفي من التضحيات للقضية الفلسطينية، وباتت أولويّاتها الداخلية تتقدّم كلّ أولويّة أخرى.

ويرى فريق من الخبراء أن القاهرة مدعوّة الى مراجعة شاملة لسياساتها الداخلية والخارجية، لجهة التكيّف مع التغيّرات الإقليمية والدولية، وإعادة التمركز على امتداد هذه التغيّرات. ويمكن الاستدلال الى هذه التغيّرات من مراجعة ورقة مهمّة للغاية صدرت في العام ٢٠٠٩ عن «مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار في مصر»، عزت تراجع الدور المصري الى العوامل الآتية:

> بروز إيران المتطلّعة الى القيام بدور القوّة الإقليمية الكبرى في المنطقة. وترى الدراسة أن هذه التطلّعات ليست خاصة بأحمدي نجاد فحسب، بل تمتد الى زمن قائد الثورة الإسلامية في إيران الإمام الخميني ومقولته الشهيرة حاضرة: «لقد حان الوقت لأن يقود الفرس أمّتهم الإسلامية بعد طول انتظار».

> الأمر الثاني الذي تلفت إليه الدراسة يتعلّق بتركيا التي تحرّكت في الأعوام القليلة الماضية بشكل مكثّف على الصعيدين العربي والإسلامي، ما بعث برسالة مفادها أن الأتراك يبحثون عن مجدهم الضائع، وأن تركيا لن تقبل أن تظل طرفاً هامشياً في منطقة لعبت فيها دوراً تاريخياً.

> الدور المحوري الذي تقوم به السعودية، وهو أقوى منافس للدور الإقليمي المصري على الساحة العربية والدولية، خصوصاً بعد نجاحها في حلّ العديد من القضايا العربية والدولية، مشدّدين على أن هذا الدور السعودي الراهن، رغم منافسته، إلا أنه راج في الأساس بسبب تخلّي مصر عن دورها.

على أن أهم قراءة في واقع الأمر أشار إليها التقرير، إنما جاءت متعلّقة بإسرائيل التي ترتبط مع مصر بمعاهدة سلام اسمية رسمية، ومع ذلك فإنها لا تكفّ عن محاصرة مصر سياسياً وجغرافياً واقتصادياً. وقد ذكرت الدراسة أن إسرائيل تعلم جيّداً أن مصر هي الدولة الوحيدة القادرة على منعها من ممارسة الدور الإقليمي الذي ترغب إسرائيل في ممارسته في المنطقة، لذا تتجه إسرائيل دوماً الى محاصرة مصر بشتى الوسائل في محيطها، خصوصاً المحيط الأفريقي، وإحدى أدواتها في ذلك الحصار قضية مياه النيل حيث تحاول أن تشارك في مصادر المياه في حوض النيل، ولذا ركّزت على تحسين علاقتها بدول شرق أفريقيا، خصوصاً أثيوبيا، وتركّز في وجودها هناك على سلاح المساعدات الفنّيّة والعسكرية. ومن جهة أخرى تسعى إسرائيل الى الوقوف في مواجهة الحركات والمنظّمات الإسلامية القويّة في منطقة شرق أفريقيا، وتقدّم نفسها الى أميركا وأوروبا على أنها المدافع الأول عن القيم الديمقراطية. على أن هذا الدور يمكن أن يشهد انتعاشاً مرحليّاً في الفترة المقبلة، إذا ما انخرطت القاهرة بقوّة في الخطة الأميركية لمواجهة «القاعدة» في اليمن، على حساب الدور السعودي الذي تقول المخابرات الأميركية إنه لم يكن فعّالاً في الحرب ضد الحوثيين. وأي تورّط مصري في الصراع الدائر في اليمن، يساعد بصورة مباشرة أو غير مباشرة في إعادة تشكيل المنطقة على أسس جديدة >

نسخة سهلة الطبعارسل هذا الموضوع لصديق
تصفح مجلة المشاهد السياسي ديجيتل
اقرأ أيضا
بعد أسبوع على سقوط الطائرة الأثيوبية في المياه الإقليمية اللبنانية، تتكثّف الأسئلة حول الحادث، من دون أن يلوح في الأفق ما يشير، من قريب أو بعيد، الى أسبابه الحقيقية. ومع أن العمل الارهابي ليس مستبعداً، فإن فريق التحقيق المتعدّد الجنسيات لم يقدّم أي فرضيّة على الأخرى، وكل ما يمكن الجزم به حتى الآن هو أن سوء الأحوال الجوّيّة لا يكفي وحده لتفسير الكارثة.
في سابقة هي الأولى في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين في مصر، تمّ انتخاب مرشد عام جديد في ظلّ وجود مرشد سابق على قيد الحياة.
الحملة الانتخابية بدأت في العراق، وانتخابات السابع من آذار (مارس) المقبل تبدو حاسمة على أكثر من صعيد.
«أسبوع الطائرة الأثيوبية» في لبنان، الذي انصرف معه كبار المسؤولين الى مواكبة الكارثة.