غرق الطائرة عطّل مرحلياً القنابل النيابية الموقوتة
«أسبوع الطائرة الأثيوبية» في لبنان، الذي انصرف معه كبار المسؤولين الى مواكبة الكارثة، كان يمكن أن يكون ساخناً جدّاً على المستوى السياسي، بعد انفجار أزمة جديدة بين الرئيس نبيه برّي والعماد ميشال عون حول خفض سن الاقتراع، وإنشاء هيئة وطنية لإلغاء الطائفية السياسية. ولولا غرق الطائرة في «اللحظة السياسية المناسبة» لكان لبنان كلّه غارقاً في ما يشبه المتاهة السياسية التي يعاد فيها خلط أوراق كثيرة على المستوى الداخلي.
«المشاهد السياسي» ـ بيروت
> لأول مرّة منذ العام ٢٠٠٥، تاريخ عودة الجنرال عون من باريس، نجح رئيس المجلس النيابي نبيه برّي في تشكيل حلف مسيحي عجزت بكركي عن تشكيله، رغم كل المساعي التي بذلتها لصياغة حد أدنى من التفاهم بين مسيحيي ١٤ آذار ومسيحيي ٨ آذار. فقد اصطف المسيحيون من بنشعي الى معراب، ومن برج حمود الى بكفيا الى زحلة، الى جانب «التيار الوطني الحر» في مواجهة مشروع إلغاء الطائفية السياسية وخفض سن الاقتراع، بما يشبه العملية السحرية، وبدا أن «تحالف الضرورة» يطغى على ما عداه من التحالفات المحلّيّة والإقليمية.
ما سرّ هذا الاصطفاف؟
ببساطة لأن برّي وعون اختلفا على أربع نقاط في منتهى الوضوح:
< إنشاء هيئة إلغاء الطائفية السياسية التي يريدها برّي ويرفضها عون.
< آليّة تعيين وظائف الفئة الأولى التي يريدها برّي ويرفضها عون.
< اعتماد النسبيّة في البلدات الكبيرة التي يريدها عون ويرفضها برّي.
< خفض سن الاقتراع الى ١٨ الذي يريده برّي ويرفضه عون.
واللافت هنا أن مواقف المسؤولين في «حزب الله» تؤكّد وقوف الحزب في معظم هذه النقاط الى جانب برّي. وتؤكد مصادر خبيرة في العلاقة بين برّي و«حزب الله» أن توزيع رئيس المجلس بيانه السياسي الأخير، وفيه ما فيه عن العماد عون، مستحيل من دون إعلام «حزب الله».
وعلى امتداد المواجهة المتجدّدة بين برّي وعون، وقف المسيحيون موقفاً واحداً من طروحات رئيس المجلس، ورفضوا مشروعيه ما لم يسمح للمغتربين بالمشاركة في الانتخابات، وللمتحدّرين من أصل لبناني باستعادة الجنسيّة. وهنا وجد «حزب الله» نفسه في ما يشبه الحرج، ووجد السنّة والدروز أنفسهم في وضع دقيق. لماذا؟ لأنهم لا يرفضون مشروع إلغاء الطائفية السياسية أساساً، لكن عليهم أن يأخذوا في الاعتبار وضع «الشركاء السياسيين». وعندما بدا أن الانقسام حاد على المستوى المسيحي ـ الإسلامي، خفّف مسيحيو ١٤ آذار من هجومهم، تاركين لبرّي وعون أن ينفردا بالصدام.
ومن المعروف أن ما «يجمع» برّي وعون حتى الآن هو «حزب الله»، الذي إذا غاب عن سمع الرجلين وقع «الطلاق» الذي لا بدّ منه. وعشيّة الجلسة النيابية التي كانت مقرّرة يوم الاثنين ما قبل الفائت، انفجر الخلاف بين «الأستاذ» و«الجنرال» عندما طرح عون مشروع قانون استعادة الجنسيّة للمغتربين الذي أقرّ في اللجان في العام ٢٠٠٩. ولم تمرّ دقائق على هذا الطرح، حتى صدر عن المكتب الاعلامي لرئيس المجلس بيان مكتوب جاء فيه: حاولنا مراراً وتكراراً أن نصوّب استهداف العماد عون لما نقوم به من واجب تطبيق الدستور والنظام الداخلي لمجلس النواب، حتى ظنّ بعضهم، ومنهم العماد عون، أننا غير قادرين على الردّ عليهم. وأضاف البيان: والآن نقول لك طالما أنك خاطبتنا إعلامياً، إننا وضعنا مشروع خفض سنّ الاقتراع الى ١٨ سنة، لأن المجلس، وأنت منه، وافق على اقتراح أرسل أصلاً الى مجلس الوزراء وعاد كمشروع قانون، وسبب العجلة اقتراب موعد الانتخابات البلدية التي تحاول أنت أن تتهرّب منها. وختم البيان: إن تأخير القوانين في المجلس ليس من عادتنا منذ تطبيق الطائف الذي لم تكن أنت يوماً الى جانبه.
انفجار الخلاف استتبع، على ما يبدو، دخول «حزب الله» على الخط من أجل الحد من الأضرار، وقد تمّ تكليف وسطاء إجراء اتصالات بالزعيمين قبل أن تستفحل الأمور. وقد أعدّ عون بياناً للردّ على برّي تمّ سحبه في الساعات الأخيرة. في غضون ذلك، سرّبت أوساط رئيس المجلس معلومات عن أن العماد عون يخشى أن تلحق به هزيمة سياسية في الانتخابات البلدية، قياساً الى نتائج الانتخابات النقابية والطالبية التي حصلت قبل أشهر قليلة، وذكرت أن الحسابات المحلّيّة ترجّح أن يخسر الجنرال معظم بلديات المناطق المسيحية الصافية، خصوصاً وأن الصوت الشيعي أو الأرمني ليس قادراً هذه المرّة على ترجيح الكفّة لمصلحته.
وقد ردّت الأوساط العونية على هذه الفرضية بأن العكس هو الصحيح للاعتبارات الآتية:
ـ إن التطوّرات السياسية أثبتت أخيراً صوابية الخيارات الاستراتيجية للعماد عون، بحيث عاد الى الالتحاق بها من كان قد حاربه بسببها، الأمر الذي من شأنه أن يُنصف الجنرال في بعض الأوساط المسيحية التي كانت قد ابتعدت عنه.
ـ إن العوامل الضاغطة التي واكبت الانتخابات النيابية ودفعت بشريحة من الناخبين الى الاقتراع لـ١٤ آذار تقلّصت الى حد كبير، لأن طبيعة الانتخابات البلدية لا تحتمل الافراط في استخدام «الأسلحة المحرّمة» من نوع المال السياسي والتحريض الاعلامي والانزال الاغترابي والارهاب الفكري، ما يتيح للمواطن أن يؤمّن حماية أكبر لقناعاته، وأن يعبّر عنها بحرّيّة أوسع في صندوق الاقتراع، مع تسجيل أن بعض رؤساء البلديات باشروا في صرف نفوذهم لتحسين قدراتهم التنافسية، سواء عبر التوظيف لاستمالة عائلات معيّنة، أو من خلال تقديم مساعدات اجتماعية موجّهة تراوح بين ٢٠٠ و٣٠٠ ألف ليرة الى عائلات أخرى، وغيرها من الوسائل الترويجية.
ـ إن الاستحقاق البلدي هو عبارة عن خلطة يمتزج فيها العائلي بالسياسي، وبالتالي فإن مفاعيله تؤدّي الى تفتيت القوى، لا سيما إذا كانت رخوة، ما يدفع الى الاعتقاد أن خصوم التيار ضمن مسيحيي ١٤ آذار لن يكونوا جبهة متراصّة في مواجهته، بل سيعانون خطر التصدّع الناتج من الاعتبارات المحلّيّة.
ـ إن التيار الحر الذي حقّق نتائج إيجابية في الانتخابات البلدية في العام ٢٠٠٤، رغم أنه خاضها وسط ظروف غير ملائمة (العماد عون خارج لبنان.. لا كتلة نيابية.. الاطار التنظيمي ضعيف.. ضغوط متنوّعة) يبدو اليوم في جهوزية أفضل قياساً الى التجربة السابقة.
ويؤكد «العونيون» أن «التيار الحرّ» يميل الى ترك الأمور تأخذ مداها في المناطق التي يمكن أن تشهد تنافساً محصوراً بين عائلات برتقالية، إذا لم ينجح في التوفيق بينها، على أن تتبدل الاستراتيجية في المناطق التي ستشهد أرجحية للفرز السياسي، بما يتيح مشاركة فعّالة ومنظّمة للتيار ترشيحاً واقتراعاً، على قاعدة الافادة من الأخطاء والثُّغُر التي ظهرت في تجربة السابع من حزيران (يونيو) الماضي التي شهدت الانتخابات النيابية.
سيناريو الجلسة
على مسافة ساعات من انعقاد الجلسة كانت الأجواء لا تزال محتقنة، الأمر الذي حفّز مسيحيي ١٤ آذار على رسم سيناريوات عدّة لتعميق الخلاف بين برّي والجنرال، طمعاً في استمالة زعيم التيار الى «الجبهة المسيحيّة» الجديدة. في غضون ذلك، سرّبت مصادر الرابية أن التسوية الوحيدة الممكنة تقضي بحصول مقايضة كبرى بين الرجلين، يوافق فيها برّي على استعادة الجنسيّة للمتحدّرين وإعطاء المغتربين حق الاقتراع، مقابل موافقة عون على خفض السنّ وإنشاء هيئة لإلغاء الطائفية السياسية.
وعندما غرقت الطائرة في البحر، شكّل الحادث فرصة لالتقاط الأنفاس، ريثما يتمّ البحث عن تسوية تحفظ ماء الوجه لكل من الأستاذ والجنرال، وتعطّل القنابل المتفجّرة في التحالفات القائمة، خصوصاً بين التيار الوطني الحر و«حزب الله». لكن مجلس الوزراء الذي انعقد مرّتين في أسبوع ما بعد الكارثة، فشل في مواجهة عقدة النظام النسبي للبلديات الكبرى، كما فشل في إقرار التعديلات الأخرى المطلوبة على قانون البلديات، ومنها تقسيم بيروت الى شرقية وغربية، مما عزّز الشكوك حول إمكانية إقرار هذه التعديلات وإجراء الانتخابات ضمن المهل القانونية.
في غضون ذلك، سرّبت أوساط الكتائب والقوّات اللبنانية رواية افتراضية عن «سيناريو» أو «سيناريوات» الجلسة النيابية المخصّصة لطرح مشروع إنشاء الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية وخفض سنّ الاقتراع، استناداً الى فرضية تلاقي المسيحيين على رفض المشروعين. السيناريو يقول بالعمل على توفير النصاب القانوني للجلسة، على أن يبدأ الرئيس برّي بطرح البنود غير المختلف حولها من البنود التي تضمّنتها الدعوة الى الجلسة التشريعية، والتي لا تحتاج إلا لنصف النواب زائد واحداً من أجل إقرارها. هذه القضايا تقارب العشرين موضوعاً بما فيها اتفاقات ومعاهدات وقوانين عديدة تنتظرها الحكومة، من أجل البدء بتطبيق الاتفاقات الدولية والمشاريع الانمائية والقروض المخصّصة لها من مصادر التمويل المتعدّدة.
ويبقى الأمر على هذا المنوال حتى يطرح الرئيس برّي مشروع خفض سن الاقتراع الذي يحتاج الى ثلثي أعضاء المجلس، باعتباره تعديلاً للدستور، فيطير النصاب ـ هذا إذا كان متوافراً ـ فيعلن رفع الجلسة الى وقت لاحق تتوافر فيه المشاريع التي يمكن أن يتزامن إقرارها مع هذا المشروع، ومنها مشروع استعادة الجنسية، وموضوع انتخاب المغتربين، وتعود الملفّات دفعة واحدة الى ساحة النجمة. ولا ضير في أن يشارك أبناء الـ١٨ عاماً في الانتخابات النيابية المقبلة، لأسباب تتصل بتوافق اللبنانيين وتفاهمهم على البتّ بها سلة واحدة تحفظ مصالح الجميع وتراعي هواجس المتوجّسين منها.
السيناريو الثاني لمسيحيي ١٤ آذار بني على معلومات قالت إن الرئيس برّي طلب الى معاونه السياسي النائب حسن خليل، قطع الاتصالات مع زميله من التيار الوطني الحر إبراهيم كنعان، ولتترك الأمور على سجيّتها وفاق ما تقول به اللعبة البرلمانية. وهذا قد يؤدّي الى انعقاد الجلسة بنصاب كامل، وإسقاط مشروع خفض السن بالتصويت، ما يؤدّي الى أمرين خطرين: أولهما أن المجلس النيابي الجديد قد انقسم باكراً على خلفيّة أن مسيحييه في واد ومسلميه في واد آخر. وثانيهما أن مشروع القانون عندما يسقط بالتصويت، فإن هذا يعني أن الأمر قد طوي، وقد تحتاج الحكومة الى مهلة طويلة لإعداد مشروع قانون جديد تصوغه وزارة الداخلية من الصفر، وتطرحه على مجلس الوزراء لإقراره وإحالته مجدّداً على المجلس النيابي، وهو أمر سيّئ للغاية بأن توجّه الحكومة والمجلس النيابي الجديدان أولى الرسائل السلبيّة الى شباب لبنان باستحالة إعطائهم حق الاقتراع في هذه الانتخابات والمقبلة منها، إذا تصاعدت لهجة الرفض المسيحي من جهة والتأييد الإسلامي من جهة أخرى. وتعتقد المصادر التي تقول بهذا السيناريو، أن الأمر لن يقف عند هذا الحد، وستفرز المواقف النيابية بين أصوات إسلامية، وربما سنّيّة وشيعية في بعض الحالات، تؤيّد هذا المشروع من جهة، وأخرى مسيحية ترفضه من جهة أخرى والعكس صحيح. ومن شأن هذا الأمر أن يؤدّي الى طيّ كل المشاريع الاصلاحية، عندما تصبح مادة تجاذب طائفي ومذهبي خطر، وتفقد كل معانيها الاصلاحية ولن يستطيع أحد تقدير النتائج المترتّبة عليها على أكثر من مستوى في المستقبل القريب والبعيد.
تضيف أوساط ١٤ آذار المسيحية: على كلّ حال، ترى المراجع النيابية والسياسية أن البلاد قد عبرت هذه المرحلة وتجاوزتها الى الشاطئ الأمين. وإذا كانت كارثة الطائرة الأثيوبية قد شكّلت مخرجاً مأساوياً ودمويّاً للجلسة النيابية، فقد تعود اللعبة الى بداياتها. والمخرج كما يقول العارفون هي في أن يتدارك رئيس المجلس النيابي هذه الأجواء، ويقدم على سحب المشروع من جدول الأعمال لأي جلسة مقبلة، والبتّ بما توافرت حوله أجواء التوافق المسبق، الى أن تتأمّن الظروف الموضوعيّة لطرحه الى جانب رزمة من مشاريع القوانين التي تضمن مطالب الجميع. ويقول أحد النواب البارزين المعارضين، أنه يمكن لرئيس المجلس أن يعيد مشروع استعادة الجنسية الى طاولة البحث، وقد مرّت سبع سنوات على مناقشته في لجنة الادارة والعدل التي وافقت عليه قبل أشهر وأحالته فوراً على اللجان النيابية المشتركة، إذ لا حاجة للبحث فيه في لجنة الدفاع والأمن والبلديات، علماً بأن الأمانة العامة لمجلس النواب عندما ردّت على القائلين بأن المشروع هو في درج اللجنة، رد رئيسها النائب سمير الجسر لينفي بيانها. كما أن في استطاعة الرئيس برّي الاسراع في البتّ بمشروع قانون مشاركة المغتربين في الانتخابات المقبلة، لينضم المشروع الى زميله الخاص باستعادة الجنسية وقانون خفض السن القانونية للانتخاب، فتذهب كلّها معاً الى المجلس في جلسة تشريعية واحدة تقفل الملف على هذه المشاريع، طالما أنه ليس هناك من يعترض على أي منها. فلا المسيحيون يرفضون إعطاء الحق لأبناء الـ١٨ عاماً لأنه ليس قراراً إسلامياً فحسب، ولا المسلمون يرفضون إعطاء الحق للمغتربين فلهم في بلاد الاغتراب نسبة قد توازي عدد المسيحيين. ولا بد بين هذه وتلك، من تنقية مرسوم الجنسية الصادر في العام ١٩٩٤ مما شابه من مخالفات، وما تضمّنه من ثُغُر، وإعادة الجنسية، الى المغتربين اللبنانيين، لأن الذين سيشملهم المشروع موزّعون على كلّ القارّات، وينتمون الى مختلف مذاهب لبنان وطوائفه من دون أي حسابات خاطئة.
الى ذلك، تحدّثت مصادر المعارضة السابقة عن أجواء سادت الفترة الأخيرة أوساطها السياسية، تقول بأن خطوة الرئيس برّي الأخيرة وضعت «حزب الله» في موضع حرج للغاية.
فالحزب الذي جهد لإظهار خروجه من المنطق الطائفي في أكثر من مناسبة، ومن شرنقة المذهبية الشيعية، أعادته اللعبة الأخيرة الى العلبة المقفلة من جديد، وهو أمر لا يحرجه فحسب، بل ينعكس سلباً على حليفه الأقوى التيار الوطني الحر، إذا هو أصرّ على مشاركة برّي موقفه المبدئي الى النهاية.
هل خرجت البلاد من أجواء الاحتقان بعد أسبوع من كارثة الطائرة؟
الظن الراجح أن لا. فالمهادنة التي سادت الوسط السياسي على وقع سقوط «الأثيوبية» في البحر قد لا يستمر طويلاً، إذا ما أصرّ رئيس المجلس على مشروعيه، والأصوات الطائفيّة التي سادت أيام ما قبل الكارثة مرشّحة للعودة الى الساحة، والتوتّر عائد إذا لم يتم سحب كلّ الطروحات الأخيرة من التداول، بما فيها إجراء الانتخابات البلدية >
|