مصر تحت مجهر الـ«إيكونوميست»:
من المتوقّع أن تشهد مصر تغييراً مزلزلاً في الفترة المقبلة، وهذا الأمر صار ملموساً، ليس فقط لما يتردّد عن حالة الرئيس، ولكن لأن الجيل الحالي ليس سلبياً كسابقيه بل إنه أفضل حظّاً من التعليم ومتحضّر جدّاً، وأكثر تواصلاً مع العالم الخارجي. هذا الجيل بدأ يفقد صبره تجاه استمرار الوضع الحالي وسيطرة رجل واحد على هياكل الدولة بالكامل، وتزايد الرشوة، ووحشية قوّات الأمن، وفشل الدولة في توفير سلع أساسية وتعليم لائق ورعاية صحّيّة وحقوق مدنية.
«المشاهد السياسي» ـ لندن
> ليس هذا تحليل أو رأي أحد أقطاب المعارضة المصرية، أو كتّابها المستقلّين، إنه خلاصة ما توصّلت إليه مجلة «إيكونوميست» البريطانية العريقة والمحترمة دولياً، في دراستها التي خصّصت لها غلاف العدد الجديد الأخير. وقدّمت على غلافها صورة مركّبة للرئيس المصري حسني مبارك بالزي الفرعوني كتمثال يغرق في رمال الصحراء.
واعتبرت المجلّة أن التغيير قادم إلى مصر لا محالة، مشيرة في الدراسة التي نشرت بعنوان «الرمال المتحرّكة: التغيير قادم إلى حلفاء الغرب العرب» الى أن كل المؤشّرات تؤكّد أن هناك تغييراً وشيكاً على الساحة في مصر.
مؤشّرات التغيير
ورصدت المجلّة العديد من مؤشّرات التغيير، يأتي في صدارتها تغيّر الدين من قوّة دافعة نحو الثوريّة إلى مجرد قرآن يتلى في كل مكان، ونغمات أذان على الموبايل وتزايد في أعداد المترهبنين. وأضافت أن هدف حاجات المصريين أصبح واحداً وهو النقود، وأشارت إلى أن يأس المصريين من نظام مبارك يعكسه استخدامهم عبارة زعيم ثورة ١٩١٩ في مصر سعد زغلول الأثيرة «ما فيش فايدة» التي أطلقها تعبيراً عن يأسه من علاج المرض الذي أصابه، فأصبحت معبّرة عن الوضع العام في مصر الآن.
ويقارن بعض المحلّلين في مصر بين الأجواء الحالية السابقة للتغيير وبين ما حدث قبيل ثورة ١٩٥٢، خصوصاً وأن هناك تشابهاً في الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي سبقت «ثورة يوليو»، حيث ارتفاع نسبة الفقر وتدنّي الأوضاع السياسية والاجتماعية، وتعالي طبقة الأغنياء.
لكن نظام مبارك يريد الاحتفاظ بمواقعه، وترتكز خطّة النظام للحفاظ على بقائه في السلطة، على المضي قدماً نحو إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية تثبّت خطاه في الدولة، إلا أن الأمر هذه المرّة ربما يكون مختلفاً، فمصر خلال الفترة المقبلة تواجه ثلاثة احتمالات، إما أن تمضي في طريقها نحو النموذج الروسي، حيث يحكمها رجل قوي جديد من داخل النظام، أو تصبح مثل إيران بثوريّة شعبية على الشاه، أو تكون مثل تركيا حيث نظام أكثر ديمقراطية يحقّق السعادة للجميع.
وقالت «إيكونوميست» إن هناك بعض المؤشّرات التي تؤدّي الى تقدّم مصر اقتصادياً، ويأتي في مقدّمها وجود بعض رجال الأعمال الروّاد واستغلال مصر لمصادرها الطبيعية بالشكل الأمثل، إلا أن الفقر والبطالة وتدنّي مستوى المعيشة والتضخّم، تبتلع الطبقات الأدنى، وما يفاقم من تردّي الأوضاع في مصر حقيقة تردّي الأوضاع التعليمية.
وعن الوضع الإقليمي لمصر، أكّدت المجلة أنه شهد تدهوراً واضحاً خلال الفترة الماضية، بعدما أصبحت القاهرة عاجزة عن القيام بدورها كوسيط في عملية السلام.
لا تزال مصر شريكاً ملازماً وتابعاً للولايات المتحدة الأميركية، إلا أنه يبدو أن استمرارها في الحفاظ على دورها كوسيط للسلام الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، أمر صعب، فمصر أصبحت ممثّل العرب الملازم لأميركا، ودورها الإقليمي أصبح أقلّ، سواء في ظلّ إدارة الرئيس الأميركي الحالي أوباما أو السابق بوش.
ويعود ضعف الوزن الإقليمي لمصر ـ كما ترى الـ«إيكونوميست» ـ إلى مساعدة الرئيس مبارك إسرائيل في معاقبة «حماس» بالحفاظ على قطاع غزّة محاصراً، وهذا ما أثار استنكار الكثير من شعبه، خصوصاً المتعاطفين مع جماعة الإخوان المسلمين الذين يشكّلون المقاومة الإسلامية المصرية الحديثة.
فعلى الرغم من أن غالبية المصريين يهتمّون بشكل متقطّع بالشؤون الخارجية، إلا أنهم صار لديهم شعور على نطاق واسع بأن مصر فقدت مكانتها كدولة لها نفوذ. ولقد حظيت مصر بمكافأتها من الولايات المتحدة مقابل تقلّص دورها الإقليمي، والتي تمثّلت في ٦٠ مليار دولار من المساعدات الاقتصادية والعسكرية على مدار السنوات الماضية، فلقد تدفّقت عشرات المليارات إلى مصر من أميركا وحلفائها، مما ساعد كثيراً في الأوقات الصعبة وحافظ على جيشها قوياً، وهو الأمر الذي حقّق للغرب هدوءاً نسبياً في الشرق الأوسط، بعد أربع حروب كبرى بين العرب وإسرائيل للأعوام ١٩٤٨ و١٩٥٦ و١٩٦٧ و١٩٧٣.
لكن على الجانب الآخر، فقد أفرزت ٢٩ عاماً من نظام مبارك، متبلّد الاحساس وضعيف الخيال، دخول مصر في قرون طويلة من السلام، للدرجة التي صار معها المصريون يشعرون بالرثاء على أنفسهم في كثير من الأحيان، في ظلّ صعود القوّة الاقتصادية الخليجية في المنطقة، والثقل السياسي والطموح الإقليمي المتمثّل في تركيا وإيران.
الشلل السياسي
وترى المجلّة في دراستها أن مصر لا تزال تعاني الشلل السياسي، على الرغم من مرور ثلاثة عقود من التقدّم الاقتصادي، مضيفة أن هناك رياحاً للتغيير تبدو في الأفق، بعدما كان الحديث عن التغيير السياسي في مصر أمراً يحظى بسخرية لاذعة، مرجعة الأمر إلى بقاء الحياة السياسية في مصر كما هي منذ تولّي الرئيس مبارك الرئاسة منذ ٢٩ عاماً، وسط تزايد الشعور بالاغتراب عن الدولة.
تقول الـ«إيكونوميست»: لا شك في أن التغيير قادم إلى مصر لا محالة، مشيرة إلى أن هذا قد يكون بحكم السنّ أو المرض للرئيس مبارك، مشيرة إلى أنه مهّد الأرضية من أجل خلافة نجله جمال له، منوّهة بأن ما يثير قلق الغرب في الوقت الحالي أن مبارك كان حليفاً مخلصاً لهم، وهو ما يستلزم حذراً غربياً في التعامل مع مصر في المستقبل، مضيفة أنه على الغرب أن يدفع بمبارك الى تحرير النظامين الاقتصادي والسياسي، وأن يقول له «شكراً ووداعاً».
والمشكلة بالنسبة لحدوث التغيير في مصر، أنه قادم ولكن لم يتحدّد توقيته حتى الآن، وأن هناك تزايداً حول تكهّنات المصريين بشأن الرئيس المقبل بعد مبارك، فبينما يسود اعتقاد واسع بأن الرئيس مبارك يعدّ نجله للسلطة، خصوصاً بعد أن تزايد دوره بشكل ملحوظ في الحزب الوطني خلال الفترة الماضية، فضلاً عن التعديلات الدستورية الأخيرة، في حين يجد بعضهم أن الوزير عمر سليمان، رئيس جهاز المخابرات المصرية، هو الأقرب للوصول للسلطة لأنه شخصية أكثر حنكة وخبرة، فضلاً عن علاقاته الخارجية.
وأتى سماح مبارك للإخوان المسلمين بدخول البرلمان، من خلال ٨٨ نائباً، بمثابة اختبار على إمكانية السماح باستيعابهم، وهو ما لم يبد ممكناً، فتم اللجوء إلى اعتقالهم بالآلاف وتعذيبهم، ودفع بالنظام الى وضع العقبات الشديدة لوصول أي مرشّح مستقلّ مثل البرادعي إلى الرئاسة.
الفقر يتزايد
«أغلب المصريين لا يزالون فقراء على الرغم من التصريحات الحكومية» هذا ما أكّدته المجلّة، لافتة إلى أنه في الوقت الذي تؤكّد فيه السلطات أن ما يقلّ عن خمس سكانها فقط تقلّ دخولهم عن ٢ دولار في اليوم (خطّ الفقر)، إلا أن قبول غالبية المصريين بأعمال لا تزيد أجورها على ٢٠٠ دولار (١١٠٠ جنيه)، بل واعتبار هذا الأجر مناسباً للكثير من المصريين، فالمدرّس الجديد والمجنّد في الشرطة يحصلان على ما هو أقلّ بكثير من هذا المبلغ.
وعلى الرغم من أن الحكومة تدّعي أن هناك تراجعاً في مستوى البطالة لتصل إلى ٩٪ فقط، فإن العمّال الذين يعانون البطالة ويظهرون في الشوارع، فضلاً عن الاضطرابات العمّالية وغيرها، يرجّحون ارتفاع النسبة عن التقديرات الرسمية، كما أن ثلث النساء في السنّ الملائمة للعمل يعملن فقط. ويمكن للمرء أن ينسى أنه يعيش في مصر إذا ما خرج إلى الضواحي القريبة للعاصمة، فهناك يجد منتجعات سكنية تحمل أسماء أجنبية، مثل «دريم لاند» و«بيفرلي هيلز» و«ماي فير» وتظهر الفيلاّت الفخمة والمكاتب الزجاجية والمحالّ الكبيرة والفخمة والمستشفيات والعيادات الخاصة الكبيرة والملاعب الخضراء الشاسعة.
ويظهر الفارق واضحاً بين مستوى الرضا الذي يبديه الخمس الأغنى من الناس في مصر عن مستوى معيشتهم، مقارنة بالخمس الأفقر، فـ٨٢٪ من الخمس الأول يبدون رضاهم عن مستوى معيشتهم، وهو ما يبديه ٢٩٪ فقط من الخمس الأفقر، خصوصاً وأن حياة الأغنياء في مصر أسهل كثيراً منها بالنسبة للأغنياء في الخارج، لرخص أسعار الطعام وتأجير السائقين. وعلى الرغم من أن الاحصائيات تظهر مصر كبلد زراعي، فإن هذا يرجع لأن بعض القرى التي يزيد تعداد سكّانها على ١٠٠ ألف نسمة، لا تزال الحكومة تعتبرها قرى وليست مدناً، غير أن الواقع يشير إلى أن غالبية المصريين، حوال أربعة أخماسهم، يعيشون في شقق وليس في منازل، حيث إن غالبية هذه الشقق ضيّقة، حتى إن إحصائية رسمية للسكان في العام ٢٠٠٧ أكّدت أن عدد الحجرات في مصر يقلّ عن عدد قاطنيها، وحتى أن الكثير منهم يضطر لتبادل النوم على الأسرّة.
وعلى الرغم من أن غالبية المصريين ينعمون بالكهرباء والماء، فإنه، وبعيداً عن المدن، فإن الكهرباء تواصل الانقطاع، كما أن ٨٥٪ من المصريين ليس لديهم وسيلة ملائمة للتخلّص من القمامة، مما يدفع بهم الى حرقها أو التخلّص منها بإلقائها على جوانب الطرق، أو يستخدمونها في إطعام الماشية والدجاج.
ويعترف الاقتصاديون الموالون للدولة المصرية، بأنه في الوقت الذي يزداد فيه الأغنياء ثراء، وتنمو الطبقة المتوسّطة بشكل محدود، فإن غالبية المصريين يبقون في صراع من أجل البقاء، في ظلّ معدّلات التضخّم التي تفوق المعدّلات في بقيّة الدول المقاربة للحالة الاقتصادية المصرية، وهو ما يبرّر اشتعال عدد كبير للغاية من الاضطرابات بين العمّال والأطباء والمدرّسين، وهدفهم جميعاً واحد: النقود، كما أن الكثير من المصريين أصبحوا يقبلون على الانضمام للحركات السياسية، وهدفهم في ذلك إبلاغ الحكومة بأنهم أصبحوا عاجزين عن الصبر.
ولا شك في أن وجود شبكة واسعة من أعمال الخير والتبرّعات بين المصريين، يساهم في استقرار الأوضاع فيها، خصوصاً وأنها تساهم بوضوح في انخفاض معدّلات الجريمة، حيث يشعر الفقراء بأنه في وسعهم أن يبقوا في منازلهم ويحصلوا على الحد الأدنى الذي يسمح لهم بالبقاء.
«أن يكون المسلم متديّناً فإن هذا يعدّ الشرف الأكبر في المجتمعات الإسلامية، وعلى الرغم من هذه الحقيقة فإن هذا التوجّه يدفع بالكثيرين لكي يكون تديّنهم ظاهرياً ويدفع بهم الى النفاق والتباهي بالتديّن».. هكذا وصف المستشرق البريطاني إدوارد لين تديّن المصريين في ثلاثينيات القرن التاسع عشر.
والوصف نفسه قد ينطبق على المصريين اليوم، حيث إن سماع القرآن كان نادراً منذ عشر سنوات إلا في مناسبات معدودة مثل الجنازات وفي شهر رمضان المبارك، إلا أن القرآن اليوم يتم تلاوته في عربات الأجرة والميكروباصات وفي محالّ الحلاّقين ومطاعم الأغذية السريعة وعيادات الأطبّاء، ومحالّ البقالة، كما أن الأذان لم يعد يقام خمس مرّات في اليوم فقط، بل إن ملايين المصريين يحملون هواتف فيها نغمة الأذان التي تدوّي كلّما اتصل بهم بعضهم.
وما ينطبق على المسلمين ينطبق على الأقباط أيضاً، والذين قدّرتهم «إيكونوميست» بـ٧ ملايين قبطي، حيث إن الكنيسة القبطية تبقى متحفّظة بفعل ما تتلقّاه من تمويل جيّد.
حرّيّة الصحافة
وعلى الرغم من أن الصحافة الخاصة في مصر يمكن أن تخضع لبعض الضغوط الحكومية، فإن غالبية قرّاء الاعلام ومتابعيه أصبحوا يفضّلون الاعلام المستقلّ الآن عن نظيره الحكومي، حتى يمكن القول إن وسائل الاعلام الجديدة، التي لم تكن موجودة منذ عشر سنوات أصبحت تضع أجندة المجتمع المصري.
وتستخدم الدولة المصرية جناحين أساسيين في الحكم: الأول هو أجهزة الأمن التي يبلغ عدد أعضائها ثلاثة ملايين شخص، الذين يستخدمون قانون الطوارئ لاعتقال الخصوم السياسيين للنظام، الذي تمّ تجديده أخيراً مع التعهّد بعدم استخدامه إلا في حالات الارهاب والمخدّرات.
أما الجناح الآخر فهو الحزب الوطني الذي يحتوي على بعض المثاليين الذين يسعون لإصلاح الأوضاع بعضويّتهم في الحزب الحاكم، إلا أن فيه انتهازيين أيضاً، ومن بينهم مليونيرات يزيدون ثراء من خلال حصولهم على قروض من البنوك المصرية الحكومية من دون تقديم الضمانات اللازمة.
وتختتم المجلّة تقريرها بالقول: «يتناقل الكثير من المصريين مقولة سعد زغلول تعليقاً على صراعه مع المرض «ما فيش فايدة» بوصفها عبارة سياسية، ليبدو أن هذه المقولة باتت تعبيراً عن الوضع الراهن في مصر» > |