بعد انخفاض قيمة الورقة الخضراء ٤٠٪
إعداد ـ عمر محي الدين
عانى الدولار الأميركي انخفاضاً في قيمته باستمرار خلال السنوات الست الماضية، مع تعرّض الاقتصاد الأميركي لأزمات اقتصادية متوالية، وهو الأمر الذي أدّى الى أن يفقد الدولار ٤٠٪ من قيمته خلال تلك الفترة. وزادت وتيرة الانخفاض في قيمة الدولار، مع تعرّض الاقتصاد الأميركي لأزمة الرهن العقاري وما تبعها من أزمة مالية أصابت القطاع الإئتماني الأميركي كلّه، وتعرّض معظم المؤسّسات المالية للانهيار والافلاس كما حدث مع إفلاس رابع أكبر بنك أميركي وهو «ليمان براذرز».
تسبّبت الأزمة المالية في حدوث عجز كبير في الموازنة الأميركية تعدّى التريليون دولار في العام ٢٠٠٨، والذي من المتوقّع أن يتعدّى ١.٥ تريليون دولار مع نهاية العام ٢٠٠٩، والذي تزامن مع النقص المستمرّ في أسعار الفائدة في البنوك الأميركية إلى مستوى وصل الى أقلّ من ٥٪ من قبل الاحتياطي الفيديرالي الأميركي، مما تسبّب في زعزعة الثقة لدى البنوك المركزية العالمية في الدولار الأميركي كعملة احتياط دولية، كما زعزع ثقة المستثمرين الأجانب في القطاع المصرفي الأميركي، وانخفاض حجم الاستثمارات في الأصول المالية الأميركية، وهو الأمر الذي دفع بكثير من دول العالم إلى تنويع سلّة عملاتها كاحتياطات دولية، ومن أمثلة هذه الدول: دول عربية في الخليج الفارسي وروسيا وكوريا الجنوبية وغيرها من الدول الأخرى.
وتزداد المخاوف من اتجاه الصين هي الأخرى الى اتّباع سياسة تنويع سلّة العملات، خصوصاً أن الصين تملك وحدها ما يزيد على تريليون دولار كاحتياطات دولية، وهو ما يعني مزيداً من عرض الدولار وانخفاض الطلب عليه وانخفاض قيمته.
ومع زعزعة ثقة المستثمرين في القطاع المالي الأميركي، والانخفاض المتوالي في قيمة الدولار الأميركي، تزداد المخاوف من عدم تمكّن الاحتياطي الفيديرالي الأميركي من تسويق سندات الخزانة الدولية كوسيلة تمويل، وعدم تمكّن الادارة الأميركية من الاستدانة من الخارج، وارتفاع قيمة الديون الخارجية والداخلية، وانخفاض قيمة الأصول الأميركية، وكلّها من الأمور التي تعمّق الركود الاقتصادي على المدى الطويل.
العوامل التي تدفع الدولار الى الانهيار
هناك مجموعة من العوامل التي تؤثّر سلباً في قيمة الدولار وقد تدفع به الى الانهيار، وهي عوامل قد تكون ناجمة عن السياسات النقدية والمالية الأميركية، أو قد تكون ناتجة من سياسات خارجية. وأهم هذه العوامل:
< تحوّل الاحتياطات الدولية بعيداً عن الدولار: الدولار الأميركي هو عملة الاحتياط الأولى في العالم، إذ يشكّل أكثر من ٩٠٪ من احتياطات النقد الأجنبي لدى البنوك المركزية في العالم. ومع ضعف الاقتصاد الأميركي وضعف القطاع المالي الأميركي، قد يدفع ذلك الدول إلى تنويع سلّة عملاتها واستعمال عملات أخرى بديلة مثل اليورو والين، وهو ما يعني انخفاض الطلب على الدولار الأميركي وانخفاض قيمته. فعلى سبيل المثال، لو قامت الصين، التي تمتلك ما يزيد على تريليون دولار كعملة احتياط، بعرضها في السوق، لتسبّب ذلك في انهيار قيمة الدولار الأميركي لزيادة عرضه وقلّة الطلب عليه.
< زيادة الديون العامة والخارجية الأميركية: الارتفاع المتوالي في حجم الديون العامة الأميركية، والتي من المتوقّع أن يستمرّ في الزيادة باستمرار الأزمة المالية، يشكّل ضغطاً كبيراً على قيمة الدولار، خصوصاً مع التوسّع الكبير في الانفاق العام على الرعاية الصحّيّة والمعاشات والبنية الأساسية ومواجهة مشكلة قروض الرهن العقاري.
فالاحصاءات الأميركية تشير إلى ارتفاع حجم الديون العام المحلّيّة إلى مستويات قياسية، وصلت إلى ما يوازي ٨٢٪ من حجم الناتج المحلّي الاجمالي في النصف الأول من هذا العام، بإجمالي ديون بلغت ١١.٣ تريليون دولار.
وتشير التوقّعات إلى استمرار الارتفاع في الديون العامة الأميركية، بمتوسّط سنوي يصل إلى تريليون دولار في الفترة بين عامي ٢٠١٠ ـ ٢٠١٩، ليصل إجمالي حجم الدين العام الأميركي إلى ٢٣ تريليون دولار في العام ٢٠١٩، وهو ما يفوق حجم الناتج المحلّي الأميركي خلال العام ذاته.
وفي الوقت ذاته، ارتفع حجم الديون الخارجية الأميركي ليشكّل ما يزيد على ١٧.٥٪ من الناتج المحلّي الاجمالي في العام ٢٠٠٧، والذي من المتوقّع أن يرتفع ويصل إلى ٣٥٪ من الناتج المحلّي الاجمالي في نهاية العام ٢٠٠٩.
ومع تزايد مستويات الدين العام والخارجي الأميركي، تزداد المخاوف من تقصير الحكومة الأميركية في إمكانية السيطرة على هذه المستويات وإمكانية سداد هذه الديون، وهو الأمر الذي يزيد في عدم الثقة بالدولار الأميركي، أو السندات الدولية الأميركية، وانخفاض الاقبال عليها.
< أزمة الإئتمان الأميركي: الأزمة الإئتمانية والمصرفية الأميركية سبّبت ضغوطاً كبيرة على الدولار الأميركي، من خلال غياب الثقة الدولية في أسواق المال الأميركية، وهروب الاستثمارات الأجنبية، مما أثّر سلباً في الثقة بالدولار الأميركي.
كما دفعت الخسائر في القطاع المصرفي الأميركي بالحكومة الأميركية إلى زيادة الاقتراض، سواء من الداخل أو من الخارج، في محاولة لإنقاذ هذا القطاع من شبح الافلاس، كما حدث مع إنقاذ مؤسّستي «فاني مي» و«فريدي ماك» بتكاليف تتعدّى ١٠٠ مليار دولار، وإنقاذ مجموعة التأمين الأميركية «إيه آي جي» بتكاليف تتعدّى ١٥٠ مليار دولار، وهو ما زعزع الثقة في القطاع المالي الأميركي وكذلك الثقة في الدولار الأميركي.
< الخفض المستمر في أسعار الفائدة: أدّى الكساد الاقتصادي الذي أصاب الاقتصاد الأميركي إلى خلق مزيدٍ من الضغوط على أسعار الفائدة بالخفض المستمرّ خلال فترات زمنية قصيرة، والوصول إلى أدنى مستوى له عند ٥٪، وهو ما جعل الاقتصاد الأميركي أقلّ جاذبية للاستثمار الخارجي، وبالتالي أدّى الى انخفاض حجم الطلب على الدولار وانخفاض قيمته.
قصّة الدولار
حتى نستطيع أن نرى حقيقة الواقع، لا بد من الرجوع إلى الماضي البعيد، لنعرف كيف أصبح الدولار عملة الاحتياط في العالم. ففي العام ١٩٤٤، عُقدت اتفاقية «بريتون وودز» حيث نادى فيها الحلفاء المنتصرون في الحرب العالمية الثانية، بزعامة الولايات المتحدة الذي تكدّس في خزائنها بعد الحرب ثلثي الاحتياط العالمي من الذهب المقدّر آنذاك بـ(٢٥ مليار دولار) من أصل (٣٨ مليار دولار) وخرجت هذه الاتفاقية بالآتي:
ـ أولاً: جعل الذهب هو أساس نظام النقد الدولي، ويعني هذا ربط كل دولة عملتها بالذهب مع عدم السماح لهذه الدولة بحرّيّة التبديل.
ـ ثانياً: تقييم سعر أونصة الذهب (٣١.١ غراماً) بـ٣٥ دولاراً قابلاً للتحويل، ويجيز لأي دولة تمتلك مبلغاً من الدولارات أن تبدلّه بالذهب على أساس سعره المحدّد وهو ٣٥ دولاراً للأونصة، أما إذا كان لدى أي دولة عملة أخرى غير الدولار فلا تستطيع أن تبدّله بالذهب.
وعلى ضوء هذه القرارات، قامت الدول بشراء الدولار وخزنه في خزائنها الى جانب الذهب كاحتياط لها، حتى توالت الأزمات العالمية حتى أواخر العام ١٩٧٠، ففي هذه الفترة، أخذ المستثمرون، بسبب الأزمات، في الهروب إلى الذهب واستبدلوا الدولار بالذهب، مما جعل الطلب يشتد على الذهب، فارتفع سعره من ٣٥ إلى ١٦٠ دولاراً، مما أدّى إلى ذوبان الأرصدة الذهبية في الخزانة الأميركية، فتعادل الذهب والدولار من حيث التغطية بنسبة ١٠٠٪، مع العلم أنه في الأربعينيات، كانت نسبة التغطية أكثر من ٣٠٠٪، وبسبب هذه الأزمات العالمية، وصلت نسبة التغطية في العام ١٩٦٥ إلى ٥٠٪، واستمرّت في الزيادة حتى أواخر العام ١٩٧٠ إلى ٢٥٪، التي أجبرت الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون آنذاك إلى اتخاذ قرار يمكن وصفه بأنه أكبر عملية سرقة على وجه الأرض، بأن قطع العلاقة بين الذهب والدولار، بإزاحة التغطية الذهبية عن الدولار وتحريره من أي التزامات سابقة، وجعل الذهب عبارة عن بضاعة تباع وتشترى، وليس غطاء لعملة أي دولة، وخصوصاً أميركا. وبسبب هذه القرارات وارتفاع أسعار الذهب كانت النتيجة انخفاض قيمة الدولار حتى يومنا هذا.
كانت حجّة نيكسون أن الدولار يستمدّ قوّته من قوّة الاقتصاد الأميركي، هذا صحيح حتى منتصف القرن العشرين، أما بعد ذلك فقد تغيّرت الأمور، لأن الولايات المتحدة فقدت قوّتها الصناعية، وأصبحت تعاني عجزاً قياسياً في الميزان التجاري، وهو العجز الذي يتمّ تمويله من خلال تدفّقات رؤوس الأموال إلى الولايات المتحدة، التي تعيد بذلك التجربة الإسبانية في القرنين السادس عشر والسابع عشر، حيث أنه مع تدفّق شحنات الذهب من العالم الجديد، استسلمت إسبانيا للانتاجية القليلة، وارتفعت معدّلات الاستهلاك، والعيش بمستويات عالية تتعدّى القدرات الفعلية للبلاد، فانتهت بالوقوع في مصيدة التراجع الاقتصادي والتقني.
من الصعود إلى الانهيار
«السيرة الذاتية للدولار»... اسم أحدث كتاب للكاتب والصحفي الأميركي كريغ كارمين، المتخصّص بتغطية أخبار السوق وتداول العملات في جريدة «وول ستريت». انطلق كريغ في كتابه من نقطة مهمّة وبديهية وهي أن الدولار لم يعد عملة الولايات المتحدة فقط لكنه عملة العالم بأكمله، فهو رمز القوى العظمى في العالم، وبالتالي فالكل يقبل على التعامل به. وإذا كانت هناك شركة في آسيا تتعامل مع شركة أخرى في أميركا اللاتينية، فإن لغة التعامل بينهما ستكون بالدولار.. لكن، ورغم هذه القوّة المفرطة للدولار، فإن المؤلّف يطرح العديد من التساؤلات المهمّة ومنها: إلى متى يمكن أن يصمد الدولار في موقعه على قمّة جبل التعاملات المالية في العالم؟ وماذا يمكن أن يحدث فيما لو انهار الدولار؟ وهل هناك مقدّمات وأسباب لذلك.
يقدّم كريغ إجابات مقنعة عن أسئلته، من خلال استعراض عدد من التحليلات الاقتصادية للأوضاع المالية التي تحاول رصد صورة المستقبل في العالم في ظلّ الأوضاع المالية الحالية، ومن بينها التحليل الخاص بالخبير الاقتصادي شاك باتلير، الذي قضى عشرين عاماً محاولاً أن ينبّه الناس إلى المصير غير المضمون للدولار، بسبب الكثير من الممارسات الحكومية والشخصية التي ستؤثّر في قيمة الدولار ومكانته، وقد نصح للناس بالاحتفاظ بجزء من مدّخراتهم بعملات مختلفة، لحماية أنفسهم من انهيار محتمل للدولار.
وذهب شاك إلى أنه سيأتي اليوم الذي سيلوم فيه الأميركيون أنفسهم، ويتساءلون لماذا وضعوا مدّخراتهم بعملة واحدة؟ ولماذا وضعوا كل الثقة في الدولار الذي يمرّ بمنعطف خطر في حياته؟
ويعرض الكتاب للعوامل التي أدّت إلى تدهور ثقة العالم في الدولار، منها ظهور اليورو كأول منافس قوي للدولار منذ ما يقرب من نصف قرن، كما حقّقت الصين نموّاً اقتصادياً، وأصبحت لاعباً اقتصادياً مهمّاً على الساحة العالمية، وهذه العوامل جعلت الكثيرين يتوقّعون أن أيام الدولار، كقوّة عظمى تسيطر على مدّخرات العالم، في طريقها إلى الزوال.
ويرى شاك باتلير أن الدولار ضحيّة نجاح الولايات المتحدة الأميركية، فقد أدّى الطلب العالمي على الدولار الى قيام الولايات المتحدة بطبع المزيد منه، وهو الأمر الذي ترتّب عليه زيادة الثقة في أميركا، وبالتالي المزيد من العلاقات التجارية معها، ممّا خلق اقتصاداً قوياً مفتوحاً على العالم، ولذلك اتجه الشعب الأميركي الى مزيد من الاستهلاك للمنتجات المستوردة من الخارج، وبالتالي زيادة المخصّصات للخارج، وهو الأمر الذي يعني زيادة النسبة المخصّصة من الدخل القومي من أجل تمويل مدفوعات الفائدة للمدين الأجنبي.
هذه التحوّلات أدّت في النهاية الى ظهور سؤال مهمّ على سطح الاقتصاد العالمي منذ السبعينيات من القرن الماضي، وهو: هل أصبح دور الدولار كمركز للاقتصاد العالمي دوراً غير مؤكّد؟!
الدور الذي لعبه الدولار على مستوى العالم بدأ يتراجع بالفعل، فهناك دول أدركت خطورة الأوضاع الاقتصادية في العالم في ظلّ انهيار الدولار، وطالب عدد من الدول الآسيوية، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وعدد من دول شرق آسيا، بتأسيس اتحاد يجمعهم وعملة واحدة توحّدهم.
فعلى غرار الاتحاد الأوروبي، ترغب هذه الدول في خلق قوّة إقليمية موحّدة، وإن كانت هناك مشكلة تواجه الرغبة في هذا الاتحاد الذي لو تمّ فإنه سيؤثّر في مستقبل الدولار، حيث يرى الخبراء الاقتصاديون أن اليورو أخذ سنوات طوالاً كي يتطوّر وينمو، ثم إن الاختلافات الاقتصادية والسياسية بين دول آسيا أكبر بكثير من الاختلافات بين الدول الأوروبية.
فالتعاون بين الصين واليابان قد يواجه تحدّيات أصعب بكثير من تلك الصعوبات التي يمكن أن تعترض طريق التعاون بين فرنسا وألمانيا أصحاب العداوات التاريخية، حيث أن الدولتين الأوروبيتين، في النهاية، تمتلكان ما يمكن تقديمه لبعضهما بعضاً، لكن فإن من الصعب تخيّل هذا الشكل من التعاون بين الصين واليابان.
وهناك سبب آخر قد يحول دون إحساس العديد من الدول الآسيوية بضرورة إقامة هذا الاتحاد الإقليمي واستخدام عملة موحّدة تجمعهم، هذا المانع يظلّ هو الدولار الذي يعتبر بالفعل عملة موحّدة للدول الآسيوية التي تعتمد عليه في إدارة تجارتها واقتصادها.. وفي ظلّ هذا التصوّر السوداوي لمستقبل الدولار، فإن هناك سبباً مهمّاً يجعل من الصعب استبدال الدولار، وهو السبب نفسه الذي يجعل من الصعب أن تطبّق شركة نظام كمبيوتر جديداً، على الرغم من ثقتها التامّة بأنه أفضل من نظامها الحالي، لأنها لا تضمن أن كل الشركات التي تتعامل معها سوف تطبّق النظام الجديد، وبالتالي، فإنها إذا طبّقت النظام الجديد فسوف تواجه العديد من الصعوبات في التعامل مع بقيّة الشركات.. ويرصد كريغ كارمين في كتابه قصّة نجاح الدولار وصعوده الى قمّة جبل الاقتصاد العالمي وكيف بدأت قصّة الهبوط؟ يقول: في البداية كانت الحكومات المختلفة في حاجة للأموال من أجل تمويل مشاريع التنمية المختلفة، وفي ظلّ عدم وجود الأموال الكافية كانت تواجه خيارين كلاهما صعب، وهما توقّف مشروعات التنمية، أو الأخذ من ميزانيات أخرى مهمّة مثل مشروعات الدفاع والجيش.
هذه الحلول لم يكن من الممكن اللجوء إليها، ولهذا كان البديل هو الاقتراض من الولايات المتحدة، وكلّما زادت القروض كلّما زادت الفائدة، وفي نهاية الأمر لم تعد هذه الحكومات قادرة على اقتراض المزيد من الولايات المتحدة.
في المقابل، أبقت الدول الآسيوية على عملتها رخيصة، وبتصديرها منتجات رخيصة الى الولايات المتحدة، أقبل المواطن الأميركي على شراء هذه المنتجات، فأصبح لدى البنوك المركزية الآسيوية فائض من الدولار تمّ استثماره مرة أخرى داخل الولايات المتحدة، وبدأت الدائرة من جديد.. فالمواطن الأميركي لديه فائض من الدولار، وبالتالي استمرّ في الاقتراض والانفاق، وعلى الجانب الآخر كانت الحكومة الأميركية تغطّي ثلثي نفقاتها من دخلها القومي، والثلث الأخير تغطّيه من الديون الخارجية، ولأن هذه الدائرة ما كان لها أن تستمرّ الى ما لا نهاية، فقد تعرّض الدولار لضربات قاصمة.. لقد تمرّد العالم على الدولار، فبعض الدول اعتبرت أن العلاقات التجارية مع أميركا تساهم في تدعيم عملياتها العسكرية وتمويلها، وبعضها الآخر يرى أن منتجاته تمثّل بديلاً طبيعياً للمنتجات الأميركية ولم يعد هناك حاجة للصادرات الأميركية، وكان طبيعياً بعد ذلك كلّه أن ينخفض الطلب على الدولار. والواقع الآن أن الكثير من الشعب الأميركي يعرف، ولأول مرة منذ تاريخ طويل، حقيقة مهمّة وهي عدم قدرتهم على الانفاق بشكل يتخطّى إمكانيّاتهم، وسيؤدّي هذا بالطبع الى انخفاض الاستهلاك والاستثمار، وفي الوقت نفسه، الى حدوث حالة من الكساد داخل الولايات المتحدة.
وفي النهاية، يستند المؤلّف الى رأي شاك باتلير القائل إنه وفاقاً لنظرية العرض والطلب، فأميركا تطبع الأموال بصرف النظر عن وجود احتياطي من الذهب مقابل هذه الأموال، وهو ما يعني أنه يمكن أن يأتي يوم لا يجد فيه العالم شيئاً اسمه الدولار. |