كثيرون لا يتمتّعون بقدرات عقليّة سليمة
في كل عصر من العصور يعيش أشخاص لا يتمتّعون بقدرات عقليّة سليمة، وكلّ مختلّ عقليّاً يشكّل صورة صريحة عن الحقبة الزمنيّة التي يعيش فيها. أما «مارك دايڤيد شابمن» فهو الممثّل المثال على ما ذكرناه، لأنه إنسان مفتون بنفسه، يتملّكه استعداد للقيام بأعمال إجراميّة ضارّة بالمجتمع.
بيروت ـ رويدا هلال
اللافت في الموضوع الطرق والأساليب المستجدّة التي يلجأ إليها هذا القاتل، والتي سعى المخرج الإنكليزي المميّز «أندرو بيدنغتون» الى إلقاء الضوء عليها، هذا بالاضافة الى ميله الواضح الى التركيز على شخصية «شابمن»، فجعل الحبكة القصصيّة تدور حول أفعاله. لكن المشاهد قد يستغرب عنوان هذا الفيلم الذي لم يأت على ذكر «شابمن»، بل أشار الى الإنسان الذي شكّل طريدة لهذا المريض. الأمر الآخر اللافت هو الشهرة التي التصقت بهذا المجرم، ونسجه علاقة وطيدة مع شخصية الضحيّة التي لا تقلّ شهرة عن القاتل. ويصرّح «شابمن» قائلاً: «لقد كنت إنساناً نكرة الى أن قمت بقتل أكثر الأشخاص شهرة على سطح الأرض»!
والجدير بالذكر أن المخرج صاحب الأفكار المبتكرة، قدّم لنا فيلماً يحكي عن الأشهر الثلاثة التي أدّت في نهايتها الى مقتل «جون لنن» في شهر كانون الأول (ديسمبر) من العام ١٩٨٠، عندما أصبح «شابمن» فجأة شخصية معروفة شغلت الصحافة معظم الوقت.
ومن الضرورة بمكان الاشارة الى أن هذا الفيلم مقتبس من فيلم آخر يحمل اسم «أنا قتلت جون لنن»، فاضطر المخرج جرّاء ذلك الى البقاء وفيّاً لوقائع القضية، بالاضافة الى تنظيم الوقائع بشكل دقيق، بغية تدمير أي شعور بالشفقة قد يتملّك المشاهد تجاه هذا المجرم.
ومن الأمور التي ساهمت في إنجاح فيلم «The Killing of Jhon Lennon» هو تصوير المشاهد في المواقع الحقيقية، حيث كانت تجري أحداث القتل والتعذيب. فقد بذل المخرج قصارى جهده في القيام بمقابلات عديدة مع أشخاص عايشوا هذه القضية، واستمع الى شهادات كثيرة، وهي أمور تساهم مجتمعة في جعل الفيلم أكثر واقعية.
لكننا نلاحظ تناقضات واضحة في تصرّفات القاتل. فهو تارة في «هونولولو» وطوراً يستجدي عطف زوجته ويطلب تفهّمها، ومن ثم يقصد والدته ويسعى الى جعلها توقف محاولاتها الحثيثة لاستطلاع وضعه. وبعد قيامه بالجريمة النكراء، يصرّ على تحمّل مسؤولية أفعاله، لكنه في الوقت عينه يلقي باللوم على نشأته وعلى القدر وعلى الشيطان، وحتى على «لنن» لأنهم تسبّبوا في جعله على ما هو عليه. وبالرغم من تصريحه بأن هدف حياته الأوحد يقضي بقتل «لنن»، نكتشف أن «شابمن» يملك قائمة فيها أسماء أشخاص مشهورين لن يتورّع عن قتلهم، إذا ما فشل بالقضاء على «لنن».
في الواقع، يشكّل «شابمن» صورة واضحة لشخص منعزل، غاضب ومغلوب على أمره، بالاضافة الى كونه على كثير من الدهاء والنيّات السيّئة. فقد عقد العزم على التشبّه بالإنسان الذي يودّ القضاء عليه وتدميره.