> لم تنفع صدّام حسين لغة التهديد والوعيد، بل على العكس، أدّت الى هلاكه. فبعدما تحدّى العالم، ولوّح يومياً باستخدام القوّة التي ادّعى أن العراق يتمتّع بها، بجيش صنّفه الغرب رابع أقوى جيش في العالم، وهدّد بصواريخ «سكود»، وباستخدام أسلحة أخرى في حال مهاجمة بلاده، جاء دويّ سقوطه أقوى وأسرع من صواريخه.
السبب في ذلك لم يكن سرّاً على أحد. فقد تم التحضير لسنوات لإسقاط نظام صدّام الفاشل، ولم تنفع لا صواريخ سكود ولا أسلحة الدمار التي اجتاح الغرب العراق عبثاً بحثاً عنها. واليوم، بات العراق محتلاً لأجل غير مسمّى، وإن كان الجيش الأميركي سيبدأ بالانسحاب شكليّاً.
اليوم، يقف جار العراق الفارسي المتشدّد محمود أحمدي نجّاد، يخطب بنا ويتوعّدنا، متبجّحاً بقوّة إيران بأقمارها الصناعية وصواريخها العابرة للقارّات. يحدّثنا عن صواريخ «الحسين» و«فجر» و«بدر» و«نور» و«شهاب» وغيرها... ناهيك عن البرنامج النووي «السلمي» الإيراني والصور التي تلتقط لنجّاد بين حين وآخر في مفاعلات بلاده النووية.
القائد السابق للحرس الثوري الإيراني محسن رضائي (المرشّح الى الرئاسة)، استخدم لغة لا تختلف عن لغة أحمدي نجاد. وقال إنه قادر على صدّ إسرائيل «بضربة»، وأن الدولة العبرية لن تجرؤ على تهديد الجمهورية الإسلامية في حال انتخابه.
وصرّح رضائي، الذي قاد الحرس الثوري الإيراني طوال ١٦ عاماً، وعلى الأخص في سنوات الحرب الإيرانية العراقية (١٩٨٠ ـ ١٩٨٨): «حكومتي... ستعلم قيمة الصواريخ والدبابات وكذلك السياسة الخارجية، كما تعرف نقاط ضعف إسرائيل. وسيمكنها صدّ (إسرائيل) الى الأبد بضربة واحدة».
وثمة أزمات أخرى على الحدود الإيرانية مع باكستان وأفغانستان. وهاجم الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد وجود القوّات الأجنبية في المنطقة، خلال قمّة مع نظيريه الأفغاني والباكستاني في طهران لمناقشة الارهاب، وغيره من المشكلات الأمنيّة في المنطقة.
تزامن هذا الاجتماع الأول من نوعه للجارات الثلاث ـ والذي اختتم بتعهّدات للتعاون لكن من دون الاعلان عن إجراءات محدّدة ـ مع خوض باكستان وأفغانستان معارك لمنع انتشار تمرّد عناصر طالبان في البلدين.
تقع إيران وباكستان على الحدود مع أفغانستان، ولديهما مصلحة كبيرة في استقرارها، بسبب تأثير تجارة المخدّرات المزدهرة وعقود من العنف الذي تسرّب في أحيان كثيرة عبر الحدود.
ومع أن الولايات المتحدة خصم لإيران منذ وقت طويل، إلا أنها تضغط من أجل إيجاد نهج ذي أبعاد إقليمية أكبر، للتصدّي للقوّة المتنامية لمتمرّدي طالبان في جنوب وشرق أفغانستان، وهي إحدى المناطق التي تسعى واشنطن للتعامل مع طهران في شأنها.
في المقابل، تجد إسرائيل، «الشرّ المطلق» لإيران، تملك السلاح النووي وأحدث تكنولوجيا صواريخ وأسلحة محرّمة دولياً، كما تطوّر مراكب مركافا، ولا تتبجّح بها، بل على العكس، تعتبر تفاصيلها من الأسرار القومية، فيما تختبر أسلحتها على الفلسطينيين وفي حربها على جنوب لبنان، بطريقة لا إنسانية.
وجاء تصريح لرئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الأميرال مايك مالن، قال فيه إن إيران باتت أقرب الى امتلاك القدرة العسكرية النووية، محذّراً من عواقب خطرة غير محسوبة في حال تسديد ضربات عسكرية للتصدّي لبرنامجها.
وقال: «أعتقد أن النتائج غير المحسوبة لضربة تسدّد لإيران في الوقت الحاضر، ستكون خطرة الى درجة غير متصوّرة، وكذلك العواقب غير المحسوبة لامتلاكهم السلاح النووي».
تستمر لغة الوعيد الإيرانية حتى مع محاولتها فرض شروطها وإن قبلت بمطالب أميركية. وهي عرضت في اجتماع في لاهاي في آذار (مارس) مساعدة أفغانستان على مكافحة تجارة المخدّرات، في إيماءة وصفتها وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون بأنها واعدة.
رغم مثل هذه التصريحات، وحالة الشك المتبادلة المستمرة منذ ثلاثة عقود، يرى محلّلون أن إيران والولايات المتحدة تجمعهما مصلحة مشتركة هي إشاعة الاستقرار.
لماذا لم تتعلّم إيران من أخطاء صدّام وتغيّر في طريقة تعاطيها مع الملفّات كافة؟ لماذا تبدي حسن نيّة للأميركيين وتعرض خدماتها في أفغانستان وليس مع دول الجوار العربي؟ لغة الوعيد لن تنجي إيران وتكسبها مكانة دولية، بل الديبلوماسية الحفيصة هي التي تفعل ذلك، كالمساعدة في العراق وفلسطين ولبنان، وتقديم بادرة حسن نيّة مع الإمارات العربية المتحدة، وحلّ قضية الجزر الثلاث، التي لا تنفع إيران بشيء غير زرع الشكوك في نفوس الدول الخليجية في نيّات إيران > |