في حوار مع رئيس بلدية نابلس الأسبق
أكّد رئيس بلدية نابلس الأسبق المناضل بسام الشكعة، الذي قطعت قدماه في انفجار سيارته في العام ١٩٧٦، مع رؤساء بلديات آخرين عارضوا خطّة الحكم الذاتي الإسرائيلية، أن خطّة السلام الأميركية التي تتضمّن اعتراف سبع وخمسين دولة عربية وإسلامية، مقابل إقامة دويلة فلسطينية، ما هي إلا تنازل عربي وإسلامي كبير. وقال في حوار معه في عمان، إن الاستسلام العربي ساعد إسرائيل على تنفيذ مخطّطها، واصفاً مبادرة السلام العربية بأنها فتحت فجوة عريضة في الجسد العربي والإسلامي. وعن آثار التطبيع العربي مع إسرائيل، قال الشكعة بأنه سيكون على حساب التكامل الاقتصادي العربي. وفيما يلي نص الحوار:
«المشاهد السياسي» ـ عمان
> كيف تقرأ الوضع الفلسطيني هذه الأيام؟
< البرنامج الإسرائيلي كاد يصل، إن لم يكن قد وصل بالفعل، إلى درجة الاستكمال، إن لم يشجّعه الاستسلام العربي والفلسطيني على المزيد. لقد استكمل مخطّط المستعمرات الإسرائيلية بتطويق الكثافات السكانية الفلسطينية، وتمّ عزل المناطق الفلسطينية عن بعضها بعضاً، ناهيك عن الطرق الالتفافية التي شقّها الاحتلال لتأمين الاتصالات بين المستعمرات ومع الكيان نفسه، إضافة إلى قطع الحدود مع العالم العربي.
كما أن الاحتلال في طريقه لاستكمال تهويد القدس، وهم يتّجهون حالياً نحو الأقصى عبر الحفريات، والسماح للمستعمرين بالصلاة في ساحاته، كما أن جدار الضم والسلب والنهب هو الآخر قيد الانتهاء. هناك تحضيرات لمشاريع صناعية ومدن فلسطينية جديدة في الضفة، بناء على اتفاق بين إسرائيل والسلطة، بهدف توطين اللاجئين، وأن هناك مستثمرين بدأوا بعمليات شراء الأراضي في المناطق المتّفق عليها. ونلحظ أيضاً أن الاحتلال مستمرّ في تهويد منطقة غور الأردن، وأن ذلك يجري على قدم وساق.
أما أمنيّاً، فإن الاحتلال يمارس الاجتياحات الليلية للمدن والقرى الفلسطينية لاعتقال المناضلين، وكذلك اغتيال بعضهم، وهدم منازل المواطنين وإدخال الرعب في نفوسهم، من دون حدوث أي ردّة فعل من قبل السلطة الفلسطينية، إضافة إلى سطوة الاحتلال على المياه والمواصلات الفلسطينية.
> ما الذي أوصلكم إلى هذا الوضع؟
< كل ذلك بدأ يجري على قدم وساق وبحرّيّة تامّة بعد اتفاقيات أوسلو، الأمر الذي لم يكن مهيّأ لإسرائيل قبل ذلك، بسبب وجود المقاومة الشعبية والموقف الموحّد للشعب الفلسطيني، ورغبة صادقة في الدفاع عن الحقوق. وبالتالي كانت هناك إجراءات نضالية من قبل شعبنا لحماية الأرض والمصالح من العدوان الإسرائيلي المتواصل. كان بناء المستعمرات قبل أوسلو بحدود، لكن العملية تضاعفت بعد اتفاقيات أوسلو ووصل عدد المستعمرين إلى نصف مليون مستعمر.
> كيف تصف الحالة الفلسطينية بعد هولوكست غزّة؟
< لا بد من التوكيد أن القضية الفلسطينية تعيش بعد الانقسام ظروفاً خطرة، وهناك حصار مستمر لقطاع غزّة الذي تعرّض لهولوكست دمّر كل شيء. وللأسف، فإن نظام كامب ديفيد يساهم في هذا الحصار، بإغلاقه معبر رفح التزاماً باتفاقيات كامب ديفيد على حساب الانتماء الوطني والقومي، وواجبات مصر وقيادتها نحو أمّتها في مواجهة العدوان. هناك منع متعمّد لدعم أهالي غزّة، من خلال منع دخول المساعدات والضغط على أصحاب العلاقة حتى يعود رئيس السلطة محمود عباس إلى حكم غزّة وتصفية المقاومة.
ونحن متأكدون أن هناك رغبة لاستخدام الدعم من أجل استكمال أهداف الاجتياح، الذي فشل بسبب صمود المقاومة وأهالي غزّة. ومع الأسف، إن الانقسام الحالي أفسح في المجال للسلطة بالسير في مخطّطها، والاستمرار بالتفاوض وعقد الاتفاقيات الثنائية من خلال حكومة تسيير الأعمال التي أصبحت تقوم بأعمال استراتيجية ضمن اتفاقيات أوسلو، في الوقت الذي عطّلت فيه إسرائيل (المجلس التشريعي).
> هناك وثائق عسكرية إسرائيلية تقول إن السلطة حثّت وشاركت إسرائيل في عدوانها الأخير على غزّة، ما وجه الدقّة في ذلك؟
< إن لم يتمّ طلب ذلك، فالرضا موجود، وهو واضح من خلال تصريحات الرئيس محمود عباس التي دان فيها صواريخ المقاومة وسخر منها، واصفاً إياها بالعبثية، ناهيك عن شهود عيان أفادوا عن حشد مسلّحين ورجال أمن على الحدود ومع غزّة بانتظار سقوط غزّة، وهناك دول عربية أيضاً أبدت رضاها عما جرى.
> هناك حديث عن خطّة سلام أميركية سيعلنها الرئيس الأميركي باراك أوباما في القاهرة يوم الرابع من الشهر المقبل، تتضمن اعتراف دول منظّمة المؤتمر الإسلامي، وعددها سبع وخمسون دولة، بإسرائيل، مقابل السماح بإقامة دولة فلسطينية على ما سيتبقّى من الضفة بعد المستعمرات والجدار. كفلسطينيين كيف تنظرون إلى هذا التطوّر؟
< لو كان مثل ذلك مبنياً على موقف مواجهة للعدوان ولدعم الشعب الفلسطيني ومقاومته، لكان الكلام مفهوماً، لكن الاعتراف بأن القضية الفلسطينية خاصة بالفلسطينيين، وسحب المسؤولية القومية عن القضية الفلسطينية، سبب قرارات وسياسات متّبعة سابقاً، وهذا كلّه يجعل من هذه التصريحات تنازلات وجرّ دول وإحراج أخرى للاعتراف بإسرائيل والتعامل معها من دون أي ثمن. وسبق أن رأينا المبادرة العربية، وبعد أيام من صدورها وتبنّيها من قبل قمة بيروت ٢٠٠٢، قَبِل العرب ومعهم السلطة الفلسطينية مشروع خطّة الطريق التي تربط الحلول بالمفاوضات، وهذا مناقض للمبادرة العربية للسلام، وإن دلّ ذلك على شيء، فإنما يدلّ على أن هناك مواقف شبيهة بالمواقف السابقة، على أساس أن كل موقف يمهّد لموقف تنازل آخر جديد، ومثل هذه المواقف لا مبرّر لها عند الطرف الآخر، علماً أن الاحتلال لا يزال يمارس عدوانه على الشعب الفلسطيني بأبشع الصور.
> ما أوجه خطر التطبيع العربي مع إسرائيل؟
< كما هو معروف، فإن التطبيع هدف مركزي وأساسي من أهداف إنشاء الكيان الإسرائيلي المغتصب من البداية، لأن التطبيع مع إسرائيل كقاعدة اقتصادية لمصلحة النظام الإمبريالي العالمي، ومن شأنه استغلال الوطن العربي اقتصادياً وغير ذلك، ويمنع وحدته ويربطه منفرداً وبصورة مباشرة مع إسرائيل. عملية التطبيع شأنها شأن الاتفاقيات الثنائية التي حصلت ومقرونة بالمشاريع الاقتصادية المشتركة، إضافة إلى الاستيراد والتجارة الحرّة مع إسرائيل على حساب التكامل الاقتصادي العربي.
> هل أنتم متفائلون بقدوم الرئيس الأميركي باراك أوباما؟
< لا نأمل منه شيئاً، ولسنا متفائلين بمقدمه، لقد صرّح قبل نجاحه وأعلن أن القدس يهودية، وبالأمس كشف عن تطوّر العلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية، كما أن وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون معروفة بمواقفها المنحازة لإسرائيل، ناهيك عن طاقمه الذي هو في غالبيته المطلقة من المؤيّدين لإسرائيل.
> كيف تقرأ المستقبل الفلسطيني؟
< هناك أمل ونضال لن يتوقّف لإصلاح الأوضاع، ونحن نأمل أن نتمكّن من محو آثار اتفاقات أوسلو، حتى يكون هناك موقف موحّد نواجه من خلاله التحدّي الإسرائيلي، ونعمل على إعادة القضية إلى حضنها القومي كقضيّة، وإلى مستواها الإنساني العادل، ومحو الانجازات المعادية التي حوّلت النضال إلى عدوان والأمن الإسرائيلي إلى هدف، وبالتالي وصموا نضالنا بالنعوت المشينة.
> كيف تنظرون إلى حوار القاهرة؟
< لا نتائج إيجابية ترتجى من وراء هذا الحوار، فقيادة السلطة مصرّة على أن الوحدة الفلسطينية مبنيّة على الاتفاقات مع إسرائيل، وأن على من يرغب بالعودة إلى الوحدة أن يلتزم بهذه الاتفاقيات ويعترف بها.
> ونحن نعيش أجواء النكبة، هل من تعليق؟
< النكبة مؤامرة استعمارية أداتها العدوانية الإسرائيلية، ولولا الدعم الخارجي لما نجحت إسرائيل في ذلك، ولا يزال هذا الدعم من أهم مقوّمات وجود إسرائيل. لكن للنكبة وجهاً آخر غير المؤامرة في داخلنا. ونحن كنا سبباً ولا نزال نساهم في استمرارها، وتطوير أضرارها على شعبنا، فالمؤامرة كانت ضد الأمّة بمجملها، وليس ضد الشعب الفلسطيني فقط، إلا أنه، ومع الأسف، نجحت إسرائيل في إقامة علاقات ثنائية مع دول عربية ومع دولة المركز منظّمة التحرير الفلسطينية لتنفيذ الأهداف البعيدة لاتفاقيّات سايكس ـ بيكو التي جزّأت العالم العربي > |