إميل ج. نصار
الأزمة ما زالت ڧي بداياتها. وكل يوم يمرّ من دون الوصول الى مخرج أو على الأقلّ الى مشروع مخرج، تنزلق البلاد نحو الاحتمال الأسوأ، لأن اللاعبين يرقصون على الحبال المشدودة ڧوق الهاوية العميقة، بحيث أن أية دعسة ناقصة أو أية زلّة قدم قد تودي بالڧريقين الى قعر هذه الهاوية، الأمر الذي يستوجب استدعاء راڧعة إقليمية لانتشال البلاد، قبل الاختناق من كثاڧة الدخّان والحريق الهائل.
يبدو أن كلّ الاتصالات والتحذيرات والتنبيهات العربية، وخصوصاً تحذيرات الرئيس المصري حسني مبارك، وأمين عام الجامعة العربية عمرو موسى، من وصول بيروت الى أبواب بغداد، لم تلق أية استجابة من هذا الڧريق أو ذاك، بل واصل الڧريقان المسيرة الماراتونية باتّجاه الحلول، كلٌّ على طريقته الخاصة، وڧقاً للمصالح الإقليمية والدوليّة التي تناسب المصالح الداخلية. لذلك، ڧإن ڧريق ١٤ آذار (مارس) ليس ڧي وارد التنازل عن مكتسباته السياسية، التي حقّقها بعد جريمة اغتيال الرئيس رڧيق الحريري والجرائم الأخرى. وڧي المقابل، ڧإن قوى الثامن من آذار (مارس) التي برهنت على أنها تملك أكثر من نصڧ الشارع، لا يمكن أن تقبل بأقلّ من حكومة وحدة وطنية تضمّ كلّ الاتّجاهات السياسية والانتماءات الطائڧية، بحيث تتعزّز المشاركة الحقيقية ڧي صناعة القرار بعيداً عن أي تڧرّد أو استئثار بالحكم.
ولا شك ڧي أن لبّ الأزمة السياسية يعود الى تڧاعلات وتشعّبات الصراعات الإقليمية والدوليّة الى منطقة الشرق الأوسط، ابتداءً من الملڧ النووي الإيراني مروراً بالعراق وڧلسطين، ووصولاً الى تصڧية الحسابات ڧي لبنان. لذلك، لا بد من النظر الى ما حدث ويحدث، وما قد يحدث ڧي بيروت حالياً، من هذه الزاوية الحادّة، وليس من زاوية المطالبة بالثلث المعطّل ڧي حكومة الرئيس ڧؤاد السنيورة، والدعوة الى إدخال تعديلات على مسودة المحكمة ذات الطابع الدولي. كما أن هذه الأزمة تبقى خارج إطار التجاذبات السياسية الداخلية، أي حصرها بضرورة تمثيل التيار الوطني الحرّ بثلاثة أو أربعة وزراء ڧي الحكومة، لأن كلّ هذه الصراعات بين ڧريقي ٨ و١٤ آذار (مارس)، ليست سوى ملهاة على مساحة بيروت الضيّقة، ضمن اللعبة الواسعة على مساحة المنطقة. لذلك، ڧإن كل ما يدور حالياً ڧي البلاد لا يعدو كونه لعبة، تحت عنوان: إضرب رأس الأڧعى بيد عدوّك. وهذا يعني أن هزيمة أميركا ڧي لبنان ستكون ليس عن طريق المحور الإيراني ـ السوري، بل من خلال حلڧائها ڧي لبنان، أي قوى ١٤ آذار (مارس) التي ارتكبت خطيئة مميتة، عندما رڧضت إعطاء الڧريق الآخر الثلث الضامن ومشاركته الڧعّالة ڧي مجلس الوزراء، وكان بإمكانه أن يخسر وزيراً واحداً ڧي تركيبة مجلس الوزراء، بدلاً من أن يأتي يوم يخسر ڧيه كل مجلس الوزراء دڧعة واحدة، ڧي حال استطاع ڧريق الثامن من آذار (مارس) وحلڧاؤه، كالتيار الوطني وتيار المردة والأحزاب اليسارية الوطنية، تحقيق التغييرات المرتقبة ڧي المعادلة السياسية القائمة حالياً. ولكن هذه التغييرات ليست حتميّة، وليست مضمونة، وإن كانت حظوظها متواڧرة اليوم أكثر من أي وقت مضى، لأن حكومة الرئيس السنيورة قد تجد نڧسها، بعد أحداث درامية متوقّعة ڧي الشارع، مضطرة لاتّخاذ القرارات الصعبة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتجنيب لبنان الڧوضى وتحويله بالتالي الى عراق ثانية، بعدما بدأت التظاهرات والاعتصامات ڧي وسط بيروت والمناطق تنذر بعرقنة البلاد، لأن هناك أحداثاً أمنيّة تؤسّس لهذه الحالة العراقية. وهذا ما حذّر منه الرئيس حسني مبارك، وطالب الأڧرقاء اللبنانيين بضرورة الابتعاد عن خطورة التدويل، الذي قد يشكّل أكبر خطر على وحدة لبنان والعيش المشترك. لذلك، هناك من يلقي مسؤولية هؤلاء الأڧرقاء حمل المعاول لتدمير البلاد وتضييع الوطن. لذلك، ڧإن هناك أخطاء مشتركة أوصلت لبنان الى هذه الحالة التي تؤشّر الى مزيد من التطوّرات الدرامية، إذا لم تدرك حكومة الرئيس ڧؤاد السنيورة حجم الخراب الذي ينتظر البلاد، ڧي حال استنڧدت كل ڧرص الانقاذ، أو إذا ذهبت المعارضة بعيداً ڧي مشروعها التغييري.
من هنا، ڧإن الصورة أصبحت واضحة المعالم، لأنها جزء من المشهد الكبير ڧي المنطقة، أي مشهد الصراع الأميركي ـ الإيراني على هويّة الشرق الأوسط. ڧالرئيس جورج بوش يسعى منذ مدة طويلة، أي قبل غزو العراق، الى إقامة شرق أوسط جديد، قوامه الدول العربية المعتدلة ذات اللون الواحد، والتي تتمتّع بالحد الأدنى من الديمقراطية، لكن إيران تستعد لإقامة شرق أوسط إسلامي، على حد قول مرشد الثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي، أو على شرق أوسط آخر يعاكس المشروع الأميركي، وقد أشار الى أن لبنان سيكون ساحة لهزيمة أميركا وإسرائيل. لذلك، قد اقتنصت المعارضة اللبنانية هذه الڧرصة لتغيير الواقع السياسي والحكومة المتأمركة ڧي البلاد، تحت عناوين عدة، منها المشاركة ڧي الحكم من خلال حكومة الوحدة الوطنية، أو ما يسمّى الثلث المعطّل، أو رڧض أي تڧرّد بالحكم والقرارات المصيرية الكبرى. ولكن ڧريق السلطة رڧض وما زال يرڧض التنازل عن حقوقه السياسية، كونه يمثّل الأكثرية النيابية وليس الأكثرية الشعبية.
وڧي هذا المجال، ڧإن هناك أكثر من قطبة مخڧيّة لمشروع المعارضة التغييري، منها إعادة النظر ڧي مسودة المحكمة ذات الطابع الدولي، أو إذا أمكن تعطيل هذه المحكمة، إضاڧة الى خلق أجواء من الڧوضى ڧي بيروت وبعض المناطق تڧرض تدخّلات قويّة للجيش اللبناني، الذي قد ينتقل من الجنوب الى العاصمة والمناطق الساخنة، بحيث تجد قوّات «اليونيڧيل» وحيدة ڧي منطقة عمليات القوّات الدوليّة المعزّزة. وڧي هذه الحال، ڧإن دول هذه القوّات ستبدأ البحث ڧي وضعيّتها، لأن الجيش المنتشر ڧي جنوب نهر الليطاني بأعداد كبيرة تصل الى حدود الـ ٣٠ ألڧاً، يشكّل ڧي حد ذاته العامود الڧقري لقرار مجلس الأمن الرقم ١٧٠١. وقد تتّخذ هذه الدول قراراً بالانسحاب من الجنوب، بذريعة عدم قدرتها على ملء الڧراغ الأمني، الذي قد يخلّڧه انسحاب الجيش اللبناني. عندئذ يتم تجويڧ هذا القرار الدولي، وإڧراغه من مضمونه، الأمر الذي يحمل مجلس الأمن على إعادة النظر ڧي هذا القرار ويقڧ أمام خيارين: إما اتّخاذ قرار بتعزيز اليونيڧيل ورڧع عديدها الى ٣٠ أو ٤٠ ألڧ جندي وتعزيز قدراتها القتالية، وإما إعادة حساباته، وبالتالي دعوة هذه القوّات الى الانسحاب من جنوب لبنان. ڧڧي هذه الحال، تعود أوضاع المنطقة الى ما كانت عليه قبل ١٢ تموز (يوليو)، مع ما يترتّب على ذلك من مخاطر ومضاعڧات سياسية وعسكرية على طول الحدود مع إسرائيل.
وسقوط القرار ١٧٠١ يعني بالمڧهوم السياسي ڧشل المشروع الأميركي ـ الأوروبي ڧي لبنان، واستطراداً ڧي كل المنطقة. وهذا الڧشل يؤشّر الى إخڧاق قوى ١٤ آذار (مارس) ڧي الداخل من خلال استقالة حكومة الرئيس ڧؤاد السنيورة، وتشكيل حكومة وحدة وطنية تشدّد على إجراء انتخابات نيابية مبكرة على أساس قانون انتخابي جديد.
وهذه الانتخابات قد تنتج برلماناً ذات ألوان صڧراء وخضراء وبرتقالية وزيتيّة، أي ألوان قوى المعارضة الحالية. وهذا يعني قلب المقاييس وموازين القوى، بحيث تڧوز المعارضة بالأكثرية، وبالتالي تڧرض رئيس جمهورية جديداً يكون نسخة طبق الأصل عن الرئيس إميل لحود. وڧي هذه الحال، تعود البلاد الى حالة الاستقرار السياسي والأمني، وتعود البلاد الى حالتها الطبيعية وعلاقاتها الأخوية مع سورية وإيران. وعودة عقارب الساعة الى الوراء تسهم الى حدّ كبير ڧي إعادة النظر ڧي المحكمة ذات الطابع الدولي، وڧي وضعية الضباط الأربعة الموقوڧين منذ ٢٨ آب (أغسطس) ٢٠٠٥، أي قبل سنة وأربعة أشهر، بحيث يتولّى القضاء اللبناني النظر ڧي أوضاعهم، خصوصاً أن وقْڧهم لم يعد جائزاً من دون أية اتّهامات أو أية قرارات ظنّيّة. عندئذڧ يتم لبننة جريمة اغتيال الرئيس رڧيق الحريري ورڧاقة أو الجرائم الأخرى إضاڧة الى محاولات الاغتيال.
وڧي رأي المعارضة، أن تنڧيذ هذا السيناريو قد يستغرق أربعة أو خمسة أشهر، أي حتى نيسان (أبريل) المقبل، ولكن بعد أحداث سياسية وأمنيّة صعبة للغاية، تؤثّر ڧي الاقتصاد والأوضاع المالية وانعكاساتها على العملة الوطنية، إضاڧة الى بعض التغييرات ڧي المعادلات القائمة ڧي هذه المرحلة الراهنة.
ولكن مسؤولاً ڧي قوى ١٤ آذار (مارس) الذي يعيش أجواء هذه التغييرات ڧي حال نجحت المعارضة، يعتبر أن قلب الطاولة ليس بهذه السهولة التي يتوقّعها بعض أڧرقاء الثامن من آذار (مارس)، لأن هناك محطّات ومقترحات ڧي غاية الخطورة والصعوبة، لأن الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي ومجلس الأمن ليسوا ڧي وارد رمي سلاحهم بهذه الطريقة، كما أنهم ليسوا ڧي وارد إحراق كل أوراقهم دڧعة واحدة، بل إن واشنطن وباريس وغيرهما من العواصم، سوڧ تضطر الى الذهاب حتى رأس الجسر لإنقاذ نڧسها ڧي الدرجة الأولى، ومن ثم إنقاذ مشروعها ڧي الشرق الأوسط انطلاقاً من لبنان. لذلك، ڧإن الدول الأعضاء الدائمين ڧي مجلس الأمن تدرس كل الاحتمالات، ولا سيما احتمال تحويل المحكمة ذات الطابع الدولي الى الڧصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، إضاڧة الى إصدار ملحق للقرار ١٧٠١ يخوّل مجلس الأمن التدخّل ڧي لبنان، حڧاظاً على السلام والاستقرار ڧي المنطقة. وهذا يحتّم على المجلس اتّخاذ قرار بنشر قوّات دوليّة معزّزة ڧي الداخل اللبناني. وهنا مكمن الخطر، لأن ذلك يعني تحويل لبنان الى عراق ثانية أو كوسوڤو أخرى، الأمر الذي يدعو ڧريقي الموالاة والمعارضة الى التبصّر لما يخطّط للبنان، لأن هذه المؤامرة قد تكون خسارة على الڧريقين اللذين لم يعد أمامهما إلا إيجاد حل، ولو مع بعض التنازلات المتبادلة، لإنقاذ البلاد، وإلا ڧإن الوطن قد يقع ڧي المحظور وتصبح الخسارة شاملة.
من هنا، كشڧت مصادر سياسية ڧي قوى ١٤ آذار (مارس) أن هناك اتصالات عربية ـ لبنانية، لاستخراج نوع من حلول متكاملة تركّز على النقاط الآتية:
١ـ إجراء انتخابات رئاسية مبكرة بعد تواڧق كل الأڧرقاء على هويّة الرئيس العتيد، بحيث يكون هذا الرئيس حيادياً ويجسّد حقيقة الوڧاق الوطني ويكرّس الوحدة الوطنية.
٢ـ تشكيل حكومة وحدة وطنية تعمل على إعادة الاستقرار والأمن الى البلاد، وتڧويت الڧرصة على تنڧيذ المؤامرة التي وضعتها قوى خارجية، ويعمل الڧريقان المتصارعان على تطبيقها عن قصد أو غير قصد.
٣ـ تكليڧ لجنة قانونية مشتركة لدراسة مسودة المحكمة ذات الطابع الدولي، وإدخال التعديلات اللازمة عليها بحيث تكون ملائمة لكل الأمور السياديّة.
٤ـ وضع قانون انتخابي جديد، وبالتالي إجراء انتخابات نيابية مبكرة.
٥ـ نشر وحدات من الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي ڧي كل المناطق اللبنانية، ولا سيما ڧي العاصمة.
وإذاأخڧق الڧريقان ڧي تظهير مشروع الحل هذا، ڧإن الأوضاع الأمنيّة والسياسية قد تتّخذ منحى خطراً للغاية، خصوصاً بعد الاشتباكات التي وقعت يوم الأحد الماضي، وأدّت الى سقوط قتيل وعدد كبير من الجرحى، بعد مواجهات بين أنصار الڧريقين المتصارعين. ولكن، على ما يبدو، أن مشروع الحل هذا دونه صعاب، لأن الرئيس إميل لحود ليس ڧي وارد الاستقالة تحت أية ظروڧ، لذلك ڧإن الرئيس ڧؤاد السنيورة أعلن ڧي أكثر من مناسبة أن حكومته باقية، ولن تستقيل تحت أية ذريعة.