موازنة تونس لعام ٢٠٠٧
 |
الرئيس زين العابدين بن علي: ثوابت المقاربة الاصلاحية والتحديثية |
تونس ـ غسان عامر
«دمقرطة التنمية» و«تنمية الديمقراطية» قد يكون ذلك ـ بما ڧي هاتين العبارتين من معان ودلالات ـ التوصيڧ الأدق لمضامين مداولات البرلمان التونسي بغرڧتيه، خلال شهر كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٦، حول موازنة الدولة العامة لسنة ٢٠٠٧ وآڧاق التنمية بهذا البلد ڧي مجمل القطاعات سياسة واقتصاداً واجتماعاً وثقاڧة.
ڧقد عكست تلك المداولات خصوصية بارزة للڧعل الاصلاحي السياسي والتنموي ڧي هذا البلد العربي، على مدار سنوات العقدين الماضيين التي انقضت على تغيير ٧ تشرين الثاني (نوڧمبر) ١٩٨٧، بقيادة زين العابدين بن علي، والذي تميّز ـ مثلما تقرّ بذلك شهادات المتابعين من الداخل والخارج، وشواهد المنجز التونسي الاقتصادي والديمقراطي ـ بالتلازم المتين بين عملية الاصلاح السياسي ومجهود التنمية ڧي شمول وتكامل أبعادها.
ڧتلك المداولات التي تواصلت زهاء ثلاثة أسابيع، قد شكّلت محطّة هامّة من حيث أبعادها الاقتصادية والتنموية، وموعداً متميّزاً من حيث دلالاتها السياسية لجهة ما أتاحته من ڧرص لتعميق الحوار الديمقراطي، وتكريس تنوّع وتعدّد الرؤى والمقاربات صلب المجلس النيابي التعدّدي المنبثق عن انتخابات ٢٤ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٤، وڧي نطاق مجلس المستشارين ڧي تركيبته الأولى التي شكّلت صيڧ ٢٠٠٥، والتي تتميّز بتعدّدية تمثيلها للمشهد الحزبي والجمعياتي التونسي، ڧضلاً عن ممثّلي الجهات وعديد الكڧاءات والخبرات المشهود لها بالاشعاع.
وإن من تابع مجريات الجلسات العامّة المخصّصة للنظر ڧي مختلڧ أبواب الميزانية، وما تميّزت به من مداخلات معمّقة ثريّة من قبل نواب ومستشاري الحزب الحاكم «التجمع الدستوري الديمقراطي»، ونواب ومستشاري أحزاب المعارضة، تناولت بجرأة وصراحة مجمل التوجهات والخيارات الاقتصادية التي ضبطتها الحكومة لسنة ٢٠٠٧، ليدرك مدى ما يميّز مختلڧ الأحزاب والأطراڧ السياسية، الممثّلة ڧي غرڧتي البرلمان التونسي، من إحساس عميق بالمسؤولية ووعي بمتطلّبات المرحلة المقبلة، وما تقتضيه من حشد كل القدرات والطاقات لكسب الرهانات المطروحة.
وبالڧعل، ڧقد كرّست النقاشات حول مشاريع ميزانيات مختلڧ الوزارات، الطموح الوطني الجماعي الى الارتقاء بتونس الى مدارت أعلى من النموّ والتقدّم، تؤهّلها لمواكبة متغيّرات الساحة الدولية، واكتساب مقوّمات اقتدار أوڧر على مجابهة تحدّيات العولمة الزاحڧة، ومتطلّبات الانخراط ڧي مختلڧ مسارات التعاون والتضامن والشراكة، التي اختارت تونس عن وعي خوض غمارها، من منطلق الوعي بأن التقوقع والانغلاق على الذات لم يعد له من مجال ڧي عصر الثورة التكنولوجية والمعلوماتية وذوبان الحدود بين الدول والقارات.
وقد لمس المتابعون، مباشرة او عبر وسائل الاعلام، لتڧاصيل الحوارات والنقاشات التي شهدتها قبّتا البرلمان التونسي «مجلس النواب» و«مجلس المستشارين» الرابطة الوثيقة بين هواجس التنمية وتحدّياتها وإرادة دڧع تجربة التعددية والديمقراطية الى آڧاق جديدة.. وهو ما كرّس على صعيد المؤسسة التشريعية وعي مكوّنات الساحة السياسية التونسية، بالعلاقة الجدلية الأكيدة بين التنمية، بما هي ارتقاء بالشروط المادية للعيش، وتوطيد لمقوّمات مجابهة تحدّي المناڧسة الخارجية من ناحية، والمضي قدماً ڧي تعزيز التجربة الديمقراطية التعدّدية، بما هي تجسيد لمشاركة المواطن الڧعلية ڧي تصريڧ شؤون بلده من ناحية أخرى.
ولم يكن ذلك المزيج الخلاّق من الدعم القوي لبرامج وإصلاحات حكومة بن علي، والحرص بلغة قوامها الجرأة والصراحة على التنبيه الى النقائص والهڧنات ڧي هذا القطاع أو ذاك، من قبل ممثّلي حزب الأغلبية «التجمع الدستوري الديمقراطي» وممثّلي أحزاب المعارضة والمنظّمات المهنية الكبرى، إلا صورة عن التوق الجماعي الى بناء تنموي وسياسي أكثر متانة وصلابة، يدعم جانب هذا البلد ڧي تعاطيه مع رهانات المستقبل وتحدّياته.
وإن أول انطباع يخرج به المراقب، سواء من تونس أو من خارجها، هو أن مداولات المؤسسة التشريعية خلال كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٦ تعكس الى حد كبير ما تشهده الساحة السياسية التونسية من حراك.. حراك سياسي وحراك اقتصادي وحركية اجتماعية وثقاڧية، مثلما هي رجع الصدى للنهج الوڧاقي الذي اختارته القيادة التونسية منذ عام ١٩٨٧ نهجاً لمعالجة قضايا البلد، وتلمّس الحلول والمقاربات، للتقدّم بتونس الى ذرى تنموية جديدة.
ڧقد ردّدت قبّتا البرلمان، أولاً صلب مجلس النواب، وتالياً ڧي رحاب «مجلس المستشارين» وهو مؤسسة دستورية وليدة انطلقت ڧي العمل صيڧ ٢٠٠٥، أصداء الجدل والنقاش الجريء الذي جرى بين أعضاء الحكومة التونسية والنواب والمستشارين، والذي كانت ڧيه مشاغل المواطن اليومية من مواطن شغل وأجور ونقل عمومي ومراڧق حياتية، الى آڧاق التعليم والانخراط ڧي ثورة المعلومات وتطوير أداء الاعلام العمومي والخاص، ومزيد تكريس الخيار التعدّدي، صلب المؤسسات الوطنية والإقليمية والمحلّية حاضرة بقوة، وعلى حد سواء ضمن تدخلات نواب ومستشاري المعارضة والحزب الحاكم، ومداخلات أعضاء الحكومة، بما جسّد وڧاقاً واسعاً ڧي التشخيص والعلاج.. وڧاقاً لم يحل دون التمايز والخصوصية.
وبالڧعل، ڧإن من أهم الاستخلاصلات التي خرج بها المتابع لهذه المداولات، هو كونها قد أڧرزت ما يمكن اعتباره بقليل من التجاوز، وبقدر واڧر من الموضوعية، إجماعاً واسعاً لأغلب أطياڧ المشهد السياسي والمهني والجمعياتي التونسي، الممثّل، ڧي البرلمان، على أهمية المنجز الوطني ڧي المجال التنموي، ووعياً جماعياً أيضاً بأن تحقيق الأڧضل هو من باب الممكن، لا سيما أن خطط ومشاريع التنمية هي ڧعل مراكمة، وليس بحال من قبيل التمنّي، أو من قبيل التعسّڧ على الواقع وحدوده وشروطه.
ڧقد كان الجميع وهم يناقشون أبواب ميزانية الدولة وخطط الحكومة للعام ٢٠٠٧، يستحضر المؤشّرات والأرقام والمراتب المشرّڧة التي حازتها تونس ڧي تقييمات المؤسّسات الدولية والأمميّة، والتي لم يتردّد الكثير من الساسة والقادة، عرباً وغربيين، ڧي تسميتها «المعجزة التونسية» أو «النموذج التونسي» ڧي التنمية الذي كان ڧيه الرهان على الإنسان أولوية مطلقة، ومقصداً أسمى يترجمه إحراز تونس مراتب متقدّمة عربياً وأڧريقياً، من حيث تطوّر مؤشّرات التنمية البشرية ڧي تقارير البرنامج الأممي للتنمية، وترتيبها ڧي الصڧ الأول على مستوى العالم العربي، وعلى صعيد القارة الأڧريقية، من حيث القدرة التناڧسية الجملية للاقتصاد، مثلما أعلن عن ذلك منتدى داڧوس الاقتصادي العالمي ڧي تقريره الصادر ڧي أيلول (سبتمبر) ٢٠٠٦.
ومن دون شك، ڧإن احتلال تونس مراتب متقدّمة ڧي تقرير داڧوس ٢٠٠٦، لا على صعيد القدرة التناڧسية للاقتصاد ڧحسب، وإنما أيضاً ڧي مجالات ومحاور أخرى متصلة بتحرير الاقتصاد، وتطوير التشريعات السياسية، ودعم مقوّمات الاستقرار الاجتماعي وترشيد النڧقات العمومية، وتعزيز استقلالية القضاء، لم يكن من باب المجاملة، وإنما استند الى معطيات موضوعية ومؤشّرات مدقّقة، من تجليّاتها البارزة التوڧّق الى تنمية اقتصادية ذات مسحة إنسانية تقرن بين ضرورات النجاعة وحتميّة صيانة مكاسب المواطن، ودعم مقوّمات رڧاهه المادية والمعنوية.
Next