بغداد ـ خاص
وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري مقاتل لكن من طراز سياسي. تخلّى عن سلاح حمله لكن ربما لم يستعمله، في فترة حمل فيها الكثيرون من الأكراد غيره السلاح، في مواجهة ما اعتبر في ذلك الوقت عملية بقاء أو لا بقاء. لم يهدأ الرجل ولم يتوقّف عن الدفاع عن الحركة الكرديّة. متحدّث لبق ناضج وسياسي من طراز يمكن الثقة به أكثر مما يمكن الخوف منه. ينحدر من أسرة كرديّة عراقية عريقة، وقرابته المباشرة الى أكبر زعيم كردي عراقي، وهو رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني، تضاعف حجم المسؤولية الواقعة عليه. والحديث مع رجل مثل هوشيار زيباري سيظل مفيداً ونافعاً، ويحمل الكثير من الرؤى في كل وقت:
> هل ما زلت محارباً؟
< نعم ما زلت أحارب لكن بطريقتي الخاصة. حاربنا النظام السابق سلمياً من أجل حماية الأكراد، وجعل قضيتهم أمراً لا يوجب الخصام والابادة والتشهير والتضييق والتمييز. ونحارب الآن من أجل عراق ديمقراطي موحّد يحترم الإنسان والمجتمع الدولي ويحترمه العالم.
> لكن الطريق صعب ووعر ودامٍ؟
< لم يتمنّ أحد على الاطلاق أن ندفع كل هذا الثمن مقابل ما نتطلّع إليه. لسنا أول ولا آخر من يبحث عن الكرامة للإنسان والحرّيّة للشعب والسيادة للوطن.
كرامة
> أي سيادة وأي كرامة وأي حرّيّة؟
< ليس بالامكان حتى الآن أفضل مما نحن فيه. ما لا تراه أنت ولا يراه من هم خارج الحدود نراه نحن. هناك عراق جديد. علينا بكثير من العمل وكثير من التأنّي والصبر. لا نزعم أننا حقّقنا معجزة، ولا نقول أننا بلغنا ما نريد، لكن الكل كان يعرف وضع العراق قبل دخول أميركا على الخط. لم يكن هناك خيار آخر، ولا كان لدى النظام توجّه أو قرار للتغيير أو الاستفادة مما يجري في العالم.
> بعد كل هذا الثمن، هل سيظلّ العراق موحّداً؟
< بعد كل هذا الثمن لن يكون العراق إلا موحّداً. لا خوف لدينا من ذلك. نحن نفهم بعضنا الآن أكثر من ذي قبل ونتعامل مع بعضنا بعضاً مباشرة. العرب والأكراد وكل شرائح البيت العراقي يتعاملون مع بعضهم الآن من دون وسطاء. لم يعد هناك نظام يحجر على البعض أو يصادر وجود البعض منا. علينا أن نتعاون لبناء وطن جميل سعيد قادر على البقاء. عراق جديد بأصالته وتاريخه وإرادته. ما المانع؟
> تهدد تركيا بالحرب وأجراسها تقرع والذنب لا يقع برمّته عليها بل على الأكراد. ألا تخشون الحرب؟
< لا أحد يريد الحرب ولا أحد يتمنّاها لأحد. العالم تغلب عليه اليوم الإنسانية، ومنطق الحروب يتعارض مع الإنسانية، وليس هناك أي خلاف أو أمر لا يمكن حلّه من دون حرب. على العالم كله أن يتعفّف عن اللجوء الى حلول فيها دماء وإبادة وإيذاء للبشر وقتل وسفك دماء. أما بالنسبة لتركيا فهي دولة جارة وصديقة وعلاقتنا بها طويلة، وهي أعرف بظروفنا السابقة والحالية ولا نريد لا القطيعة ولا المواجهة معها ولا العزلة.
> ماذا عن الوجود أو الاحتلال الأميركي؟
< لم نطلبه ولم نسع إليه ولا نريده. لكن ماذا كان بإمكاننا أن نفعل؟ هل كان على العراق أن يموت ليظلّ النظام! حاولنا التغيير بكل الطرق ولم نعترض على بعض الطروحات العربية التي تأمّلنا أن تجنّب بلدنا ما هو عليه الآن.
> هل ستطول مدة الاحتلال؟
< لا نتمنّى ذلك ولا نريده.
الانسحاب
> لكنكم عارضتم وضع جدول للانسحاب؟
< سيرحلون. لن يبقوا ولن يطلب منهم أحد أن يبقوا. لا نزايد ولا نحب أحداً أن يزايد. ليس كل ما يعرف يقال. العراق مدمّر ومشاكلنا الداخلية والخارجية لا تزال كبيرة، وتشكّل حملاً كبيراً وعلى الولايات المتحدة أن تفي بما عليها.
> هل حصل أن أوفت أميركا أصلاً بأي وعد؟
< ما نعرفه نحن ليس بالضرورة أن يعرفه الكل. هذا أمر يتعلق بأوضاع العراق الحالية. ما أستطيع قوله الآن إنها فعلت الكثير ولا تزال تعمل على الكثير، ومن مصلحتنا أن نحصل منها على أكبر قدر من المساعدة في كل المجالات.
> ألم يكن بإمكان أميركا أن تحصل على ما تريد بأقلّ من الثمن الذي يدفع الآن؟
< الولايات المتحدة لها وجود ونفوذ وبرامج ومشاريع ومصالح وأمور كثيرة ليس في العراق فقط، وإنما في كل العالم. ليس هناك مكان ليس للأميركان وجود فيه. نحن نتحدّث بلغة مفهومة للجميع ولا نذيع أسراراً. العراق جزء من العالم. كان بالامكان أن تختلف الصورة وأن لا نمر بمثل هذه المصاعب، لو أن نظامنا السياسي السابق كان على غير ما كنا عليه. المهم الآن ما يريده العراقيون لا ما يريده سواهم. الطريق الى وضع أفضل بيد العراقيين وليس بيد الأميركان ولا الآخرين. علينا نحن العراقيين أن نتفاهم ونتعاون، وأن نختار النموذج الذي نريده لبلادنا.
عراق موحّد
> تتحدّثون عن عراق موحّد وعن وضع جديد، بينما العراق ممزّق وأنتم تصرّون على المطالبة بالكونفدرالية، وتهدّدون بعواقب للدولة العراقية ما لم تضم منطقة كركوك لإقليم كردستان؟
< العراق الآن يختلف تماماً. بالرغم من عدم الاستقرار وبالرغم من الوجود الأجنبي، فالبلد بكامل قواه السياسية والعقلية. العراقيون الشعب لا النظام هم الذين سيقرّرون ما يريدون. كركوك وغير كركوك والفيديرالية وسواها قضايا مطروحة أمام الناس. لن تفرض بقرار من أحد وسنقبل بما تقبل به الغالبية وهذه هي الديمقراطية.
> عبتم على الكونغرس قرار التقسيم بينما لا تتوقّفون عن الكلام عن الفيديرالية! أليس ذلك تقسيماً أم ماذا؟
< الفيديرالية ليست تقسيماً، لأنها تتم على أساس جغرافي لا عرقي. إسأل من تشاء عن مثل هذا الأمر. تجارب العالم واضحة ولا لبس فيها. بقدر ما يتعلّق الأمر بنا، فنحن عراقيون ولن نقبل بأن يقال عنا غير ذلك. عراقيون قبل أن يقال عنا أكراداً أو عرباً. هناك أكراد كثيرون خارج العراق لكنهم ليسوا عراقيين، وهو أمر ينطبق على العرب أيضاً. العراق بلدنا ووطننا وبيتنا الكبير. وسنحميه ونحارب من أجله مثلما فعلنا من أجل الإنسان الكردي.
تركيا
> لكنكم تفتحون أبواب العراق أمام أكراد تركيا وإيران وبعض الأكراد من سورية. وهناك من يتّهم المسؤولين الأكراد العراقيين بالسعي الى إقامة الدولة الكرديّة لكل أكراد المنطقة؟
< لا يهمنا ما يقال. يهمنا ما سنفعل من أجل العراق. أكراد غير العراق مواطنون في دولهم. نأمل أن تحلّ مشاكلهم من دون أن يزجّ بنا.
> لكنهم موجودون في شمال العراق بترحاب من الأكراد العراقيين، مع أن تركيا تهدّد وتنذر بحرب؟
< نحن لم نفتح لهم الأبواب وهم ليسوا موجودين في ضيافتنا. لا علاقة للعراق بكل ظروف المنطقة، وليس كل ما يقع في العراق من أحداث له علاقة بكل المنطقة. بعض مناطق كردستان وعرة ومفتوحة ويصعب السيطرة عليها أو إغلاقها، ومثل هذه الطبيعة موجودة في تركيا وموجودة في إيران. وما يهمنا أن تحلّ الأمور بطريقة سلميّة وبالحوار.
> فهل معنى ذلك أنكم ستسعون للسلم؟
< بالتأكيد وعلى طول الخط ولا بديل من ذلك.