مهمّة صعبة للمستقلّين والتكنوقراط

الكويت ـ «المشاهد السياسي»
> تدلّ كل المؤشّرات الى أن القبائل والإسلاميين المعارضين للاصلاح الاقتصادي، سيهيمنون مرة أخرى على البرلمان المقبل في الكويت، رغم النظام الانتخابي الجديد الذي يهدف الى تحرير المجلس من قبضتهم.
وحلّ أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح البرلمان في آذار (مارس) الماضي، لينهي مواجهة مع الحكومة بعدما عرقلت التوتّرات إصلاحات اقتصادية، رامية الى تشجيع الاستثمار الأجنبي في الدولة المصدّرة للنفط.
وتسعى الحكومة إلى المضي قدماً في تطبيق إصلاحات، من بينها مشروع قانون لإقامة جهاز رقابة مالي، في محاولة منها لتقليص القطاع العام الذي يوظّف حوالى ٩٠ في المئة من الكويتيين، والمساعدة في تنويع الموارد الاقتصادية بعيداً عن النفط. ولكنها تواجه معارضة منذ فترة طويلة من البرلمان الذي يضم ٥٠ عضواً يميلون الى التركيز على الرقابة على الوزراء والمطالب الشعبية مثل زيادة أجور القطاع العام. ويعارض بعض رجالات القبائل والإسلاميون الانفتاح الاقتصادي أمام الاستثمار الأجنبي، ويعرقلون مشاركة شركات النفط الكبرى في مشروعات تنقيب بمليارات الدولارات، التي ينظر إليها على أنها ضرورية لزيادة إنتاج النفط، وهو أهم مصدر للدخل في البلاد.
ولبرلمان الكويت تاريخ طويل في تحدّي الحكومة، وهو أمر غير معتاد في المنطقة. وتجرى الانتخابات وفق لوائح تخفض عدد الدوائر الانتخابية الى خمس، بدلاً من ٢٥ كما كان الحال في الانتخابات السابقة التي جرت في العام ٢٠٠٦. وتهدف التغيّرات الى منع شراء الأصوات، وحمل المرشّحين على التركيز على سياسة طويلة الأجل، بدلاً من مطالب محلّيّة لقلّة من الناخبين مثل بناء مسجد في حيّ ما.
وارتفعت الأسهم الكويتية أربعة في المئة الشهر الماضي، مع أمل المستثمرين في أن يكون البرلمان المقبل أكثر تعاطفاً مع قطاع الأعمال. لكن يبدو أن اللوائح الجديدة تصعّب مهمّة المستقلّين والتكنوقراط، فيما تواجه الاصلاحات المهمّة معارضة شعبية، مثل التراجع عن برنامج الرعاية الاجتماعية من المهد الى اللحد. ويفسّر ذلك تصريح أدلى به علي البغلي وزير النفط السابق، قال فيه: «إنها قفزة الى المجهول»، معتبراً أن «نظام الدوائر الانتخابية الخمس هو لمصلحة الجماعات جيّدة التنظيم، مثل الإسلاميين والقبائل، التي يمكنها أن تجعل صوتها مسموعاً».
وتحظّر الكويت تشكيل الأحزاب السياسية، لذا ثمّة ميل الى تكوين تكتلات برلمانية بناء على الولاء القبلي والديني، وليس وفق السياسة.
ويتوقّع أن يدلي أكثر من ٣٥٠ ألف كويتي أو ثلث الكويتيين بأصواتهم في الانتخابات التي تجرى في واحدة من أكثر دول الخليج حيوية من الناحية السياسية.
ومع بدء تسجيل المرشّحين، وقعت صدامات بين الشرطة ورجال القبائل بسبب غارات على الديوانيات، وهي تجمّعات ذات طابع تقليدي تستغلّ عادة للدعاية الانتخابية وإغلاق الأماكن التي تقام فيها.
وتظاهر حوالى ٥٠ شخصاً، من بينهم نواب سابقون أمام البرلمان، احتجاجاً على صدور مرسوم عقب حلّ البرلمان، يقضي بالحصول على تصريح من الدولة لعقد أي تجمّع سياسي.
والنظام الجديد يشجّع القبائل على تشكيل تحالفات فيما بينها أو مع مرشّحين ليبيراليين أو إسلاميين، لزيادة فرص الفوز بمقاعد في الدوائر الانتخابية الأكبر حيث تشتدّ المنافسة.
وحلّ البرلمان الكويتي خمس مرات منذ تأسيسه في العام ١٩٦٣، وعلّق لسنوات في مرتين منها إثر خلافات سياسية. وحصلت المرأة الكويتية على حق الاقتراع وخوض الانتخابات في العام ٢٠٠٥، ولكن لم تفز بمقاعد في الانتخابات التي أجريت في العام ٢٠٠٦.
وأجّلت الخلافات الاصلاحات الرامية لوضع الكويت على الدرب الذي سار عليه جيرانها، مثل دبي وقطر والبحرين، التي استغلّت عائدات النفط لتنويع مواردها في القطاعات المالية والسياحية.
وتعتمد الكويت على النفط والغاز الذي يدرّ ٤٠ في المئة من إجمالي الناتج المحلّي مقابل ثلاثة في المئة فقط في دبي.
وسجّل البرلمان السابق تقدّماً في الشهور القليلة الماضية، وأقرّ إصلاحات تشمل خفض الضرائب على الشركات الأجنبية وخصخصة شركة الطيران الوطنية الخاسرة. ولكن مشروع قانون تأسيس هيئة رقابية مالية لا يزال متعثّراً في البرلمان. وتفاقم الصراع حين طالب البرلمان الذي كان يهيمن عليه إسلاميون ومعارضة معتدلة ومستقلّون بزيادة أخرى لأجور موظّفي الدولة.
ووافقت الحكومة بالفعل على زيادة أجور العاملين في الدولة، لمواجهة ارتفاع نسبة التضخّم، وأذعنت لمطالب بإعادة شراء ديون الكويتيين التي تراكمت نتيجة حمى شراء. واقتربت نسبة التضخّم السنوية من مستوى قياسي عند ٦.٧ في المئة في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، رغم أن الكويت تخلّت عن ربط عملتها بالدولار المتراجع في العام الماضي، في حين أضحى ارتفاع تكلفة المعيشة قضية سياسية ساخنة. وقال ناصر الصانع، عضو البرلمان السابق وهو إسلامي يستعدّ لخوض الانتخابات المقبلة «لكل أجندته هذه المرّة. لا تركيز. لا يعلم أحد لمن ستكون الهيمنة على البرلمان».
بأي حال، قد تأتي الانتخابات بوجوه جديدة، لكن المرجّح أن تستمر سيطرة القبائل والإسلاميين على البرلمان. ولا يمكن للمراقب سوى أن يأمل في أن تشجّع الدوائر الانتخابية الأكبر أعضاء البرلمان على التركيز على الصورة الأكبر، خصوصاً أن النائب الذي كان يمثّل خمسة آلاف ناخب سابقاً، سيمثّل وفقاً للقانون الانتخابي الجديد ٥٠ ألفاً، لذا، ما سيناقشه البرلمانيون ستكون قضايا حقيقية واستراتيجية.