حوار مع الناطق باسم الحكومة البريطانية
كشف الناطق الرسمي باسم الحكومة البريطانية جون ويلكس أن حكومته تهيّئ لتوقيع اتفاقية أمنيّة ثنائية مع الحكومة العراقية، على غرار الاتفاقية التي وقّعتها الولايات المتحدة مع العراق قبل أيام. وردّاً على أسئلة «المشاهد السياسي» قال ويلكس إن الانفتاح البريطاني على سورية تقرّر في ضوء الخطوات التي نفّذتها سورية، من تسوية الأمور في لبنان الى إحكام إغلاق الحدود مع العراق، الى بدء التفاوض غير المباشر مع إسرائيل. وهذه تفاصيل الحوار:
«المشاهد السياسي» ـ عمان
> هل يمكن أن تطلعنا على أهداف جولة وزير الخارجية الى المنطقة؟
< زيارة وزير الخارجية ديفيد ميليباند الى المنطقة تأتي في إطار فترة انتقالية في عملية السلام، وغياب الإسرائيليين والأميركيين بسبب انتخابات الرئاسة الأميركية، وتسلّم الرئيس المنتخب صلاحياته بعد شهرين، وكذلك انشغال الإسرائيليين بالتحضير لانتخاباتهم. ومن هذا المنطلق، فإن بريطانيا لا تريد انتظار شهرين لتولّي أوباما الحكم، أو انتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلية، فنحن نريد البناء على ما تم تحقيقه بعد مؤتمر آنابوليس الأخير.
نريد أيضاً تشجيع أي تحرّك أوروبي ـ عربي لإيجاد حلّ نهائي للصراع. ونحن هنا نعمل على استغلال الانفتاح السوري ـ البريطاني لتحقيق سلام شامل على المسارات كافة. وهناك رصيد كبير تحقق في الأسابيع الماضية في هذا السياق، بفضل زيارات العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني ووزير الخارجية السوري وليد المعلّم ومسؤولين عرب آخرين ولقائهم كبار المسؤولين، وإننا في لندن نستمع الى آراء الأردن والسعودية والرئيس السوري في كيفيّة تهيئة العرب وأوروبا للأجواء المناسبة، والبناء على ما تحقّق بعد مؤتمر آنابوليس.
> ما قصة منتجات المستعمرات الإسرائيلية؟
< هناك اتفاقية موقّعة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل والسلطة الفلسطينية قبل أربع سنوات، تحظّر تصدير منتجات المستعمرات الإسرائيلية الى أسواق الاتحاد الأوروبي، لكن إسرائيل لم تلتزم هذه الاتفاقية وهذه مسألة معقّدة. وقد اتّفقنا على حصص من المنتجات الإسرائيلية والفلسطينية يتم تصديرها الى أوروبا بتعريفة جمركية مخفّضة، والغريب أن إسرائيل آنذاك وافقت على استثناء منتجات مستعمراتها من هذه التعريفة، وبالتالي عدم تصديرها الى أوروبا، بمعنى أن هذه الاتفاقية لا تنطبق على المستعمرات لأنها مقامة أصلاً فوق أراض محتلّة، كما أن أوروبا لا تعترف بأنها جزء من إسرائيل، لكن سكان المستعمرات نقضوا الاتفاقية وصدّروا منتجاتهم بملصقات إسرائيلية واستمر ذلك لسنتين.
> ما سرّ التحرّك حيال هذا الموضوع اليوم؟
< بريطانيا وخلال الأشهر الماضية اتّخذت زمام المبادرة لفرض الاتفاقية على المنتجات كافة، والاصرار على وضع ملصقات على منتجات المستعمرات تبيّـن المنشأ، لا أن يتم تصديرها على أنها منتجات إسرائيلية، لأن معظم المستهلكين الأوروبيين لا يوافقون على سياسة إسرائيل الاستيطانية، ونريدهم أن يقرّروا بأنفسهم المنتجات المفضّلة لديهم بوضوح وشفافية، ونؤكد مجدّداً أنه لا حصص خاصة للمستعمرات بتعريفة مخفّضة.
لقد اتفقنا مع الأوروبيين على هذه المبادرة، ونحن الآن في صدد النقاش الفنّي والجمركي مع الإسرائيليين لتطبيق الاتفاقية، وهذا ما ناقشه وزير خارجيتنا مع الإسرائيليين قبل أيام، ما أحدث ضجّة في الاعلام الإسرائيلي وأصبح الموضوع سياسياً، واتّهمونا حسب تصريحات السفير الإسرائيلي في لندن، بأننا نمارس عليهم ضغطاً غير مبرر.
> ما الذي حرّككم تجاه المستعمرات التي تقام أصلاً منذ العام ١٩٦٧؟
< نحن أصلاً لم نتوقّف يوماً عن التنديد بهذه المستعمرات، وقد رفعنا لهم شكاوى عديدة حول استمرار النشاط الاستيطاني، وأوضحنا لهم بأن ذلك يشكّل عائقاً رئيسياً أمام السلام المنشود، وقد تقبّل أولمرت الأمر واتفق معنا على أن الحلّ العادل والمقبول يكمن في تقسيم الأراضي بين إسرائيل والفلسطينيين. كما أكدنا للإسرائيليين أن كلّ الأراضي المحتلّة ليست جزءاً من إسرائيل.
> كيف تصف الأجواء التي تمّت فيها مباحثاتكم مع القيادة الفلسطينية؟
< وزير الخارجية ديفيد ميليباند التقى كلاًّ من الرئيس محمود عباس ورئيس وزرائه سلام فياض، واتفق معهما على أن بريطانيا ستبذل أقصى الجهود مع سورية بالتحديد وبقيّة الدول العربية، لتشجيع أي تحرّك عربي ـ أوروبي خلال هذه الفترة. وقد وجّهت بريطانيا دعوات الى رجال أعمال فلسطينيين وعرب وعالميين، لحضور مؤتمر استثماري دولي سيعقد في لندن في شهر كانون الأول (ديسمبر) المقبل، لبحث فرص الاستثمار في مناطق السلطة الفلسطينية، ووجدنا أن هناك إقبالاً منقطع النظير من قبل الجميع على المشاركة في هذا المؤتمر، بسبب وجود رؤية لديهم حول فلسطين المستقبل.
> ما هو واضح أن هناك توجّهاً لشطب حق العودة للاجئين الفلسطينيين من أي تسوية، كيف تقرأون ذلك في بريطانيا؟
< نرى أن قضية اللاجئين هي موضوع أساسي في المفاوضات، وأن الحلّ العادل يعني التوصّـل الى حلّ عادل لمشكلة اللاجئين، والحلّ هنا في يد الطرفين، وعلى بريطانيا والدول المانحة تقديم المساعدات الإنسانية لهم. وقد طلبت منا الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية عدم التدخّل في المفاوضات الجارية بينهما، ونحن نحترم ذلك. في بريطانيا نحن ملتزمون مواصلة هذه المساعدات رغم الأزمة المالية العالمية، ونتمنى على دول الخليج ذات الميزانيات الضخمة تقديم المساعدات للاجئين الفلسطينيين وسنحثّهم على ذلك.
> وكيف تتصوّرون الحلّ العادل؟
< الحلّ في يد الطرفين، ولا نعلّق على الحلول المحدّدة لقضايا الحلّ النهائي، وهي: القدس والمياه والمستعمرات والحدود واللاجئين. وكما هو واضح فإن الخطوط العريضة معروفة، ونحن نقترب من نقطة حساسة في المفاوضات، وسنبذل جهوداً لتشجيع بناء الثقة بين الجانبين، وحشد التأييد الشعبي لحلّ الدولتين. كما أننا في انتظار رفع القيود الإسرائيلية وتزويد غزة بالوقود، وسنعمل بالتعاون مع دول المنطقة على تسهيل الوضع الاقتصادي للفلسطينيين في الضفة وتحسين الوضع الإنساني في قطاع غزة.
الاستطلاعات الإسرائيلية تقول إن الإسرائيليين يؤيّدون حل الدولتين، فيما تشير هذه الاستطلاعات الى أن الفلسطينيين لا يثقون بالحلول المطروحة، ومع هذا لا نفقد الأمل ونريد إقناع أهالي الضفة بالفرص المتاحة. وسنواصل تقديم ما في وسعنا إنسانياً وفنّياً واقتصادياً للفلسطينيين لبناء دولة فلسطينية وقوّات أمن، وبريطانيا تستعد لمبادرات في حال وجود فرصة لتقدّم أكثر.
> هل ناقشتم مع الرئيس الفلسطيني انتهاء ولايته يوم التاسع من كانون ثاني (يناير) المقبل؟
< لم نناقش مع الرئيس عباس هذا الأمر، كما أننا لم نتطرّق الى الانتخابات الفلسطينية، لأننا نعتبر ذلك شأناً داخلياً. وقد لاحظت هذه المرة اختلافاً في الآراء الفلسطينية في الضفة في هذا الخصوص، وكنت أسمع في الزيارات السابقة أن الرئيس عباس سيقدّم استقالته في التاسع من شهر كانون الثاني (يناير) المقبل، أما الآن فلا أحد يتحدّث عن ذلك، وهم لا يتوقّعون أن يقدم عباس على الاستقالة. وبناء على ذلك، فإننا نتوقّع استمراره في منصبه وإجراء الانتخابات لاحقاً.
> الى أين وصلت مباحثاتكم مع حركة «حماس»؟
< ما يتردّد في هذا الخصوص شائعات غير دقيقة، وليس بيننا اتصالات غير رسمية، ومع هذا فإن أبوابنا مفتوحة لـ«حماس» في حال نبذت العنف، كما أننا مستعدّون للحوار مع أي حركة أو جهة تسعى للسلام.
> هناك من يقول إن الكونفيديرالية ستكون مصير العلاقات الفلسطينية ـ الأردنية، ما وجه الدقّة في ذلك؟
< رؤيتنا تقوم على حلّ الدولتين، ولا نؤيّد الدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة التي تضم العرب واليهود أو الوطن البديل، ولا نثق بأن هذه الخيارات ستؤدّي الى أي حلّ مستقبلاً. وفي حال التوصّـل الى اتفاقية في العام المقبل تقضي بإعلان دولة فلسطينية مستقلة، فإن لهذه الدولة الحق في تقرير نمط علاقاتها مع دول المنطقة وفي مقدّمها الأردن.
> كيف تنظرون الى الموقف الإيراني؟
< أمام إيران خيار استراتيجي، وهي قادرة على إثارة الفوضى في المنطقة، ولدينا حوار مستمر مع طهران عبر سفارتنا هناك، بهدف تشجيع الإيرانيين على تغيير بعض مواقفهم، وقبول التعاون مع المجتمع الدولي. ولا أذيع سرّاً إذا قلت إن إيران تتعاون معنا في مجال مكافحة المخدّرات في أفغانستان.
> كيف تنظرون الى العلاقات السورية ـ البريطانية؟
< لا شك في أن الانفتاح السوري ـ البريطاني ملحوظ، وفي حال قيام سورية بمساعدتنا فإننا سنردّ بالايجاب، ونحن نثمّن الخطوات السورية التطبيعية مع لبنان، وتبادل السفراء وسيطرتها على الحدود مع العراق، وكذلك قيامها بمفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل في تركيا، ومع ذلك لا تزال الخلافات قائمة لكن أجواء اجتماعاتنا إيجابية بشكل عام.
> الى متى ستبقى قوّاتكم في العراق؟
< أعود الى آخر تصريح لوزير خارجيتنا حول وجودنا العسكري في العراق. قال الشهر الماضي إنه يتوقّع تغييراً جذريّاً في وجودنا العسكري في العراق، في النصف الأول من العام المقبل، في حال تحسّن الوضع الأمني في البصرة والجنوب، وهناك فرصة لخفض عدد قوّاتنا هناك، ونتوقّع طلباً من حكومة المالكي بوجود عسكري بريطاني محدود في العراق، مهمّته إعادة تأهيل الجيش العراقي وتدريبه.
> ما هو تعليقكم على الاتفاقية الأمنيّة الثنائية بين واشنطن والحكومة العراقية؟
< بداية أودّ التوكيد أننا في بريطانيا بحاجة الى اتفاقية أمنيّة عسكرية ثنائية مع العراق، على غرار الاتفاقية الثنائية الأميركية ـ العراقية، وسنبني على ما تم تحقيقه في هذه الاتفاقية.
هناك مخاوف من أن تؤدّي هذه الاتفاقيات الى استمرار احتلال العراق وإقامة قواعد عسكرية أجنبية فيه، وهذا غير صحيح لأن الهدف منها هو الدخول في مرحلة جديدة في العلاقات الثنائية مع العراق، بعيداً عن تعقيدات الفصل السابع في ميثاق الأمم المتحدة. ونحن من جهتنا نعمل على تطبيع علاقاتنا مع العراق، وبناء علاقات تجارية واستثمارية وتعليمية مع العراق كلّه، وقد كنّا نركّز في ذلك سابقاً على الجنوب، والآن سنتواصل مع الجميع، حسب طلب رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي >