سؤال على هامش القمة اللبنانية ـ الإيرانية
رحلة الرئيس ميشال سليمان الى طهران أعادت الاهتمام اللبناني والخارجي بقضية تكثّف الحديث حولها في المرحلة الأخيرة، هي تعزيز تسليح الجيش اللبناني لتمكينه من مواجهة التحدّيات التي تنتظره في المرحلة المقبلة. والعرض الإيراني بتسليح الجيش سبقته عروض مصرية وتركية وفرنسية وأميركية، كلّها تتقاطع على مشروع واحد: تحويل الجيش الى قوّة ضاربة قادرة على الامساك بالأمن الداخلي. لماذا هذا التهافت على تقوية الجيش وفي هذه المرحلة بالذات؟
«المشاهد السياسي» ـ بيروت
> قبل أيام قليلة من المحادثات اللبنانية ـ الإيرانية قرّرت الولايات المتحدة، في تطوّر نوعي مفاجئ، رفع مستوى دعمها للجيش اللبناني عن طريق تزويده، لأول مرة، دبابات ثقيلة من طراز «إم ٦٠» توفّر له قدرات قتالية هجوميّة كان يفتقر إليها في معركة نهر البارد خلال العام الفائت.
المراقبون قرأوا في هذا القرار محاولة أميركية لقطع الطريق على العرض الإيراني المفتوح بتسليح الجيش، الذي يعطي «حزب الله» ورقة إضافية يوظّفها في الحوار الوطني حول الاستراتيجية الدفاعية، وهو حوار بدأ ولم يبدأ، في ضوء التحفّظات الكبيرة على الطروحات القائلة بإقامة تنسيق دفاعي بين الجيش والمقاومة. ومع أن واشنطن لم تعط تفاصيل كافية حول عدد الدبابات التي سيتسلّمها الجيش، فإن بعض المصادر المطّلعة تحدّثت عن بضع «دزينات» تصل الدفعة الأولى منها في مطلع العام ٢٠٠٩، عشيّة الانتخابات النيابية.
وفي معلومات «المشاهد السياسي» أن لبنان الرسمي تلقّى في الأسابيع الأخيرة عرضاً روسياً مباشراً بتسليح الجيش، وأن وزير الدفاع الياس المر يستعدّ لزيارة موسكو لمناقشة هذا العرض، في ضوء حاجات القيادة. والتريث في تحديد موعد هذه الزيارة عائد الى رغبة السلطات اللبنانية في إعطاء باريس وواشنطن معاً فرصة إضافية للايفاء بتعهّداتهما، على خلفيّة أن عقيدة الجيش اللبناني القتالية عقيدة غربية، وكذلك تدريباته وأسلحته منذ الاستقلال.
وكان الرئيس التركي عبد الله غول قد أبلغ الى رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة استعداد بلاده لتدريب الجيش اللبناني، مؤكداً أن تركيا تملك إمكانيات تدريبية كبيرة، كما أن مصر ولبنان توافقا على إعادة إحياء اللجنة العليا المصرية ـ اللبنانية، وبالمناسبة أعلنت القاهرة عن استعدادها لتدريب الجيش اللبناني وتسليحه.
ويبقى السؤال: لماذا كل هذا الاهتمام الخارجي الكبير بتعزيز القدرات التسليحية للقوى الأمنيّة اللبنانية؟
الجواب الأول هو أن معركة نهر البارد التي دفع ثمنها الجيش غالياً، أظهرت محدوديّة التجهيزات التي يملكها الجيش في الحرب على الارهاب، وسط صعود لافت للحركات الإسلامية المتشدّدة كلاعب أساسي على الساحة. فالحملة العسكرية التي شنّها الجيش على «فتح الإسلام» طوال ثلاثة أشهر، والتي انتهت في أيلول (سبتمبر) ٢٠٠٧، أثارت موجة من الجدل حول هذه المجموعات وأجندتها السياسية، ومدى ارتباطها بتنظيم «القاعدة». وطروحات الإسلاميين المتشدّدين التي لم تكن تحظى باهتمام سياسي حقيقي في السابق، بدأت تستقطب اهتمام شريحة سنّية كبيرة في لبنان، في أعقاب حربي أفغانستان والعراق واغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط (فبراير) ٢٠٠٥، وتزايد التوتّرات المذهبية على مستوى المنطقة ككل.
وصعود الإسلاميين السنّة كلاعب سياسي بارز، في أعقاب اغتيال الحريري، عمّق الشعور اللبناني العام ـ بدءاً بالجيش ـ بحجم التحدّي الذي يواجهه لبنان في المرحلة المقبلة، والمعركة مع «فتح الإسلام» شكّلت مثالاً حيّاً لهذا التحدّي. وقد لمست الحكومات العربية وإيران، واستطراداً باريس وواشنطن، أن القوى الأمنيّة اللبنانية عاجزة عن التصدّي للمد الأصولي المتزايد بالامكانات التي تملكها، ولا بدّ من الاستجابة لحاجاتها قبل فوات الأوان. في وقت لاحق، لعبت مجموعة عوامل إقليمية لمصلحة هذا التوجّه. سورية، مثلاً، التي تعرّضت لمجموعة حوادث أمنيّة مفاجئة، آخرها تفجير طريق المطار، رفعت الغطاء عن هذه المجموعات. والسلطة الفلسطينية التي تعاني مواقف الإسلاميين المتشدّدين انضمّت الى الحملة، وارتضت التنسيق مع لبنان وسورية في استئصال الأصوليين المسلحين ـ أي الارهابيين في القاموس الغربي ـ. ومواقف مصر وتركيا وإيران وفرنسا والولايات المتحدة يمكن فهمها في الاطار نفسه، لأن الأمن العربي والأمن المتوسطي واحد في النهاية والحرب الأميركية على الارهاب تتواصل بوتائر متسارعة.
وقد ساعد على تعزيز دور الجيش، أنه كرّس نفسه في المرحلة الأخيرة قوّة وطنية مهمّتها حفظ الأمن الداخلي وضمان أمن الحدود، رغم بقاء النظام الطائفي على حاله. والحاجة الى هذا الجيش، كقوّة موحّدة وجامعة تتزايد يوماً بعد يوم، في ضوء خطط لم يكشف عنها بعد، تقول بأن تسليم «حزب الله» أسلحته وارد، إذا هو اطمأن الى وجود قوّة عسكرية لبنانية رادعة قادرة على حماية الجنوب من الاعتداءات الإسرائيلية.
والتحدّيات التي يواجهها الجيش ليست قليلة في أي حال، ولعل أبرزها رفع «الفيتو» الإسرائيلي عن أي قرار أميركي أو فرنسي بتسليحه تسليحاً ثقيلاً، وهو «فيتو» منع هذا التسليح منذ أكثر من أربعة عقود.
ومن الواضح أن الطرف الوحيد القادر على تعديل الموقف الإسرائيلي هو واشنطن، التي تريد لبنان شريكاً استراتيجياً في مواجهة النفوذ الروسي المتزايد في المنطقة، وبصورة خاصة التحالف الروسي ـ السوري ـ الإيراني. وفي انتظار أن يتحقّق هذا الانعطاف، يمكن القول إن باريس وواشنطن معاً تشعران بالحاجة الى قطع الطريق على المسعى الروسي لتزويد الجيش حاجاته القتالية، وقد أبلغتا الى السلطات اللبنانية أنهما جادّتان في مساعيهما.
نعود الى رحلة الرئيس اللبناني الى طهران لنقول، إنها يمكن أن تشكّل حافزاً إضافياً لفرنسا والولايات المتحدة. فالرئيس اللبناني يقصد الجمهورية الإسلامية، وهو يعرف جيداً أن المساعدات التي أمّنتها الولايات المتحدة للجيش في عزّ معركة البارد كانت مخجلة: خوذات، ثياب، أسلحة خفيفة ومتوسطة وناقلات جند، و٣٦٦ طناً من الذخيرة و٢٠٠ عربة جيب، وبعض أجهزة الاتصال البدائية. ولأن الرئيس اللبناني كان قائداً للجيش في تلك المرحلة، فقد عانى ما عاناه من هذه التحفّظات الأميركية، واعتمد في بعض الحالات على المساعدات السورية.
الأوساط الأميركية تقول إن الوضع تغيّر الآن، وأن واشنطن تريد من الجيش أن يثبت قدرته، ليس على حفظ الأمن الداخلي فقط، وإنما الدفاع عن حدود لبنان الشرقية مع سورية والجنوبية مع إسرائيل، من أجل نزع كلّ المبررات لاستمرار «حزب الله» في الاحتفاظ بسلاحه، لكن هذه المقولة تحتاج الى ترجمة ميدانيّة، وصفقة دبابات «إم ٦٠» لا تشكّل إلا الجزء اليسير من التسليح المطلوب، أو بداية البداية في تجهيز الجيش بالمعدّات التي يحتاجها.
وهناك مؤشّرات الى تبدّل أو تطوّر ما في الموقف الإسرائيلي. مركز «جافي» للدراسات في جامعة تل أبيب، لاحظ أخيراً أن «الفيتو» الإسرائيلي يضعف الجيش اللبناني في مساندة قوّات «اليونيفيل» وتطبيق القرار ١٧٠١، ويكرّس دور «حزب الله» كالمدافع الوحيد عن الجنوب اللبناني، ودعا الحكومة الإسرائيلية الى تطوير موقفها من تسليح الجيش اللبناني. لكن هذه الدعوة لا تعني بالضرورة انعطافاً في الموقف الرسمي الإسرائيلي، بقدر ما تشكّل فرصة لإعادة النظر بالرفض القاطع الذي مورس حتى الآن، والذي يقيّد الموقف الأميركي بقدر ما يقيّد الموقف الفرنسي.
هل يشهد عهد الرئيس ميشال سليمان تسليحاً ثقيلاً للجيش؟
الظن الراجح أن هذا التسليح مرهون بثلاثة تطوّرات أساسية:
< التطوّر الأول هو مستقبل المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية غير المباشرة، في عهد الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما. إذا أدّت هذه المفاوضات الى اتفاقية سلام أو ما يشبه السلام، فإن المعادلات السياسية ـ الأمنيّة ـ الاستراتيجية تنقلب رأساً على عقب في المنطقة، بدءاً بلبنان، ويصبح كلّ شيء ممكناً.
< التطوّر الثاني يتصل بالسياسة الأميركية في الشرق الأوسط، وتحديداً في العراق. أي انسحاب أميركي من العراق، ولو على مراحل، مرادف لتركيز الحرب في أفغانستان وحصرها بالارهاب دون غيره، الأمر الذي يتيح تعزيز فرص تسليح الجيش في وجه الجماعات الأصولية التي يتعاظم دورها في لبنان كما في سورية.
< التطوّر الثالث لبناني ـ لبناني، وهو مرهون بمستقبل الحوار حول الاستراتيجية الدفاعية المطلوبة للمرحلة المقبلة، ورسم هذه الاستراتيجية يصبح ممكناً في ضوء نتائج المعركة الانتخابية في الربيع المقبل.
هذه التطوّرات مجتمعة تجمع بينها حقيقة أساسية هي أن الجيش هو الحلّ، أي المخرج الممكن من الأزمات المذهبية والطائفية في لبنان، وهو المؤسّسة الرسمية الوحيدة القادرة على صهر مكوّنات الشعب اللبناني في بوتقة واحدة، والاطار الوحيد لبناء الدولة، والحصن الأول الذي تلجأ إليه كلّ القوى اللبنانية، حتى تلك التي تطمح الى لعب دوره في بعض الظروف. وتجربة حرب نهر البارد تعطي الدليل على أن الجيش قادر على أن يكون وحدات مقاتلة بالفعل، كما أن تجربة ٢٠٠٦ في حرب تموز تشكّل دليلاً آخر > |