خبير فلسطيني يقرأ مرحلة ما بعد خطاب نتنياهو
مجموعة أسئلة تتراكم بعد خطاب بنيامين نتنياهو الأخير في جامعة بار أيلان لعل أبرزها: لماذا يرفض الإسرائيليون إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة، ولماذا يرفضون حلّ قضية اللاجئين داخل حدود فلسطين المحتلّة، وما هو مصير الحكومة الإسرائيلية في ضوء التعارض بين الحلول الأميركية والحلول الإسرائيلية. «المشاهد السياسي» حملت هذه الأسئلة الى مدير عام دار الجليل للدراسات والنشر في العاصمة الأردنية غازي السعدي، وقرأت معه المشهد الإسرائيلي والمشهد الإقليمي في اللحظة الفلسطينية الحرجة.
«المشاهد السياسي» ـ عمان
> لماذا اختار نتنياهو جامعة بار أيلان وليس الكنيست لإلقاء خطابه؟
< جاء اختيار نتنياهو مركز بيغين ـ السادات في جامعة بار أيلان لإلقاء خطابه، للتمثّل بالرئيس الأميركي باراك أوباما الذي ألقى خطابه الأخير في جامعة القاهرة، وقد رفض نتنياهو التوجيهات التي قدّمت له وتتمثّل بإلقاء خطابه في الكنيست. وكما هو معروف فإن جامعة بار أيلان هي مركز التجمّع العقائدي الديني والتطرّف اليميني، ومنها خرج قاتل إسحق رابين الذي كان يدرس فيها. ورغم أنه أراد أيضاً إرضاء المتطرّفين باختياره جامعة بار أيلان، إلا أنهم نظّموا تظاهرات احتجاجية قبيل الخطاب، على خلفيّة التسريبات التي قالت إنه سيعلن بشكل أو بآخر موافقته على إقامة دولة فلسطينية.
> ما مغزى وصف اليمين الإسرائيلي في تلك التظاهرات الرئيس الأميركي بأنه «لا ساميّ» ومعادٍ لليهود؟
< يرى المتطرّفون اليهود أن الرئيس أوباما ينتهج سياسة أميركية جديدة حيال الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، على عكس من سبقه من الرؤساء الأميركيين، وهم يتوقّعون منه أن يمارس ضغوطاً على إسرائيل، ولذلك قاموا بخطوات استباقية لتشويه صورة أوباما، وحملوا صورة وهو يعتمر الكوفيّة الفلسطينية، واتّهموه باللاّسامية والتحيّز للفلسطينيين ومعاداة اليهود، ومن المعروف أن كل من يعارض وجهات النظر الإسرائيلية يتّهمونه باللاسامية، وهم بذلك يمتلكون ملفّاً كبيراً في هذا المجال، إذ أظهروا إسحق رابين أيضاً من قبل وهو يعتمر الكوفيّة الفلسطينية، وصوّروه على أنه ضابط نازي، كما أن هناك صورة لنتنياهو نفسه وهو يعتمر الكوفيّة الحمراء.
> ما هي قراءتك في خطاب نتنياهو؟
< الغريب أن هذا الخطاب لم يتطرّق، لا من قريب ولا من بعيد، الى خارطة الطريق التي أقرّتها الحكومة الإسرائيلية في العام ٢٠٠٣، والتي تدعو الى إقامة دولة فلسطينية، وإلى وقف البناء في المستعمرات حتى ضمن نسبة النموّ الطبيعي. والسؤال هنا: هل علينا كل ما أتت حكومة جديدة أن نغيّر الاتفاقيات السابقة المقرّة من قبلهم؟ وهل يعقل اعتبار موافقة نتنياهو على إقامة دولة فلسطينية بشروط غير مقبولة، إنجازاً وسخاء وتقدّماً إسرائيلياً نحو السلام؟
> حذّر الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر من أن تعنّت نتنياهو سيقود إلى مواجهة مع البيت الأبيض! ما وجه الدقّة في ذلك؟
< الاعتقاد السائد هو أن وقف البناء في المستعمرات هدف يتمسّك به الرئيس أوباما، ولذلك فإن نتنياهو أمام أمرين: إما التوقّف عن ذلك، خصوصاً وأن هناك الآلاف من الشقق الفارغة في تلك المستعمرات، أو الالتفاف على المطلب الأميركي في هذا المجال بصورة غامضة وخفيّة. وعلى العموم، فإنه في حال استجابة نتنياهو لهذا الطلب الأميركي، فإن حكومته وإئتلافه الوزاري سيكونان في مهبّ الريح وقابلين للسقوط. لذلك فإن اجتماعاً عقد قبل إلقاء الخطاب بين نتنياهو وليفني في مكتب رئيس الدولة شيمون بيريز وبحضوره، وهناك تكهّنات بأنهم بحثوا في انضمام كاديما الى الإئتلاف الوزاري، في حال انسحاب الأحزاب اليمينية المتشدّدة من حكومة نتنياهو، علماً بأن مجموعة من نواب الكنيست في حزب الليكود تشارك الأحزاب اليمينيّة معارضتها لوقف البناء في المستعمرات وللدولة الفلسطينية.
> حظي خطاب نتنياهو بتصفيق الحضور مرات عدة لماذا؟
< عندما أعلن نتنياهو أن القدس ستبقى موحّدة وعاصمة لإسرائيل بدأ الحضور اليميني بالتصفيق، علماً بأن المعلّقين الإسرائيليين أخذوا عليه أنه لم يتحدّث عن عدم انسحاب، بل ترك الأمر مفتوحاً للتكهّنات، كما أن التصفيق كان عندما أعلن أن حلّ قضية اللاجئين الفلسطينيين يجب أن يكون خارج الحدود الإسرائيلية. بمعنى أن التصفيق كان عند الحديث عن قضايا مفصليّة، مثل إعلانه أن الحياة الطبيعية للمستعمرات ستستمر لكنه لم يذكر استمرار البناء.
> لماذا يركّز نتنياهو على السلام الاقتصادي؟
< هذا هو أسلوب إسرائيل في التعامل مع القضية الفلسطينية. فمنذ سنوات، وحتى أثناء اتفاق أوسلو، جرى تشكيل لجان إسرائيلية ـ فلسطينية لبحث قضايا إقليمية، لكنها فشلت في تحقيق الأهداف الإسرائيلية، ومع ذلك فإن إسرائيل لم تستسلم حيث أن أعينها على التطبيع مع العرب قبل حلّ القضية الفلسطينية، وهذا ما ترفضه القيادات العربية والجامعة العربية.
> لماذا يرفض الإسرائيليون إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة؟
< إنهم بالفعل لا يرغبون بذلك، وعليه، فإن ما طرحه نتنياهو في خطابه بخصوص الدولة منزوعة السلاح سبقه إليه أولمرت في العام ٢٠٠٦، حيث دعا إلى إقامة دولة فلسطينية موقّتة، وأن تنسحب إسرائيل من أجزاء من الضفة والقيام بفكفكة المستعمرات النائية، إلا أن هذا الاقتراح قوبل بالرفض الفلسطيني، وها هو نتنياهو يكرّر الاقتراح نفسه بإقامة دولة فلسطينية موقّتة منزوعة السلاح من دون تحديد حدودها النهائية. وتهدف إسرائيل من وراء ذلك إلى استمرار السيطرة على غور الأردن، وتكريس بقاء التكتّل الاستعماري، وخصوصاً المستعمرات الكبيرة، والسيطرة على منابع المياه، إضافة إلى السيطرة على الأجواء الفلسطينية برّاً وجوّاً وبحراً، وقد طرحت هذه الأمور في العديد من المناسبات منها مؤتمر جنيف للسلام. والأمر هنا يتعلق بموازين القوى لا أكثر ولا أقلّ.
> دعا نتنياهو في خطابه إلى حلّ قضية اللاجئين خارج الحدود الإسرائيلية! ما المقصود من ذلك؟
< علينا دائماً أن نطالب بحق العودة وفي كل المناسبات، لكن علينا أن نعي أن تجسيد حق العودة لن نستطيع الحصول عليه إلا بالتحرير. وبما أن الخيار العسكري غير متوافر حالياً، فإن الأمر يزداد صعوبة بالنسبة الى هذه القضية. وهنا لا بد من التذكير بأن مبادرة السلام العربية ذكرت أن تطبيق حق العودة سيكون بالاتفاق مع إسرائيل ووفاقاً للقرار الرقم ١٩٤، تأتي أطروحات إسرائيل بحرمان الفلسطينيين من حق العودة بناء على واقع الحال العربي.
> ما مغزى دعوة نتنياهو لضرورة بقاء إسرائيل قويّة؟
< إسرائيل، وعلى مدى السنين الماضية ورغم قوّتها التي تضاهي جميع الجيوش العربية مجتمعة، تتباكى وكأنها بالفعل مستهدفة من قبل العرب، والملاحظ أنها، وبعد جنوح العرب للسلم معها، فقد زادت في تباكيها وكثّفت من ذرائعها، بعد إعلان الرئيس الإيراني أحمدي نجاد أنه سيشطب إسرائيل من الخارطة. ولذلك فإنها تأخذ من هذه القضايا كافة ذرائع وحججاً لاستدرار عطف العالم عليها، والحصول على المزيد من الدعم الغربي، وكذلك التمسّك باحتلالها تحت ذريعة الحجج الأمنيّة.
> ما رسالة نتنياهو من بقاء القدس موحّدة؟
< هناك أصوات فلسطينية رسمية وغير رسمية تتحدّث عن بقاء القدس موحّدة وإقامة علاقات بلدية وخدماتية بين القدسيين، على أن تكون القدس الشرقية تحت السيادة الفلسطينية من دون وضع الأسلاك الشائكة بين الجانبين. حتى أن أوباما نفسه تحدّث في خطاب القاهرة عن القدس وطناً للمسيحيين والمسلمين واليهود، ولذلك فإن نتنياهو لم يعلن بأن إسرائيل ستحتفظ بالقدس كاملة.
> كمراقب، كيف استقبل الإسرائيليون خطاب نتنياهو؟
< هناك شبه إجماع على قبول الأطروحات التي أعلنها نتنياهو في خطابه، ويشمل ذلك أحزاب المعارضة الإسرائيلية، باستثناء حزب ميرتس اليساري والأحزاب العربية. أما على الصعيد الفلسطيني، فقد اعتبر أن ذلك الخطاب اغتيال للحلم الفلسطيني بإقامة دولة مستقلّة، ونحر للعملية السلمية، والعودة بالصراع إلى المربّع الأول. واعتقادي أنه في حال عدم استجابة إسرائيل لوجهات النظر الأميركية التي أعلنها أوباما، واستمرارها في ألاعيبها ومماطلتها، فإنه سيكون من الأفضل حلّ السلطة الفلسطينية وإعادة الاعتبار الى العمل المقاوم.
> ما مصير حكومة نتنياهو؟
< قبل الخطاب كانت هناك خشية من أن تتضمّن أطروحات نتنياهو نقاطاً مرفوضة من قبل شركائه في الحكومة، لكن نتنياهو، وخلال أكثر من أسبوع، أجرى مشاورات مع الأحزاب الإسرائيلية كافة ومع المعارضة، وحتى مع كتّاب يساريين، حتى توصّـل إلى صياغة لخطابه لا تتسبّب في انهيار الحكومة. وأعتقد بأنه نجح في ذلك. أما بالنسبة الى المستقبل، فإن الأمر يتعلق بمدى استجابة نتنياهو إلى المطالب الأميركية، خصوصاً وأن أوباما، وحتى بعد خطاب نتنياهو، أعلن تمسّـكه بضرورة وقف البناء في المستعمرات، واعتبر هذا الخطاب مدخلاً لكنه ليس مقبولاً بالكامل من قبل الادارة الأميركية > |