الكتاب: انتصار المواطن
المؤلّف: بيار روزانفالان،
الناشر: دراسات عراقية ـ بيروت ٢٠٠٩
> يدخل هذا الكتاب في إطار سلسلة من الكتب التي، بتراكمها، تُشكّل مكتبة لما قد يكون مرجعاً في الثقافة الديمقراطية وتراثها. وهذه الثقافة، بأفكارها ومفكّريها وبأعلامها وتواريخها ووثائقها، تبدو منذ ما بعد ١١ أيلول (سبتمبر) ٢٠٠١، وكأنها تقوم بـ«غزو» ممنهج للنشر العربي فارضة نفسها على القراءة العربية، تماماً كما كان حال الفكر القومي في الأربعينيات والخمسينيات، والفكر اليساري في الستينيات والسبعينيات، والفكر الإسلامي في الثمانينيات والتسعينيات.
والكتاب الذي ترجمه سليمان الرياشي يروي ويوثق، حسب يوسف بزّي، للمسار التاريخي والفلسفي لولادة كائن جديد في التاريخ البشري: المواطن. وهي الولادة التي تلازمت مع «اختراع» أكثر غرابة ألا وهو «الاقتراع العام». تلك الممارسة التي نتجت من تطبيقات المبدأ الأكثر ثوريّة أي «المساواة السياسية». ويشير المؤلّف إلى أنه في النصف الأول من القرن التاسع عشر كان حق الاقتراع أبعد ما يكون عن اعتباره بديهياً. فالنخب الليبيرالية اعتبرته تفخيخاً للسياسة من خلال انفعالات الكثرة. المحافظون انتابتهم الخشية من أن يقود الى الفوضى الاجتماعية. الاشتراكيون ارتابوا بالأهليّة الاستقلالية للجماهير التي كانوا يرونها مرهقة بالعمل ومستلبة من خلال الدين. والجمهوريون كانوا يقاربون الموضوع بإيمان ساذج. وهكذا استمرّت لعقود طويلة التساؤلات حول الملاءمة السياسية والصوابية الفلسفية لتعميم حق الاقتراع على الأفراد.
هذه التساؤلات، كما يرى بزي، هي التي مهّدت، على ما يبدو، لصوغ الديمقراطية الحديثة وأشكالها ومؤسّساتها، طالما أنها (أي التساؤلات) طاولت الصلة بين الحقوق المدنيّة والحقوق السياسية، الشرعية والسلطة، الحرّيّة والمشاركة والمساواة والأهليّة.
كتاب روزانفالان هو رحلة استكشاف لمسارات متعرّجة ومتشابكة لتلك النقاشات الدفينة، ولحوافز تلك المطالب الثورية، وعنف الاستيهامات ومجموع الارتباكات التاريخية. لكن المهم أيضاً في الكتاب هو ذاك الانتباه البارع للفارق النوعي الذي ستتميّز به فيما بعد الديمقراطية الغربية، أي تلك القطيعة الفكرية الهائلة التي أدخلتها «المساواة السياسية» في التمثيلات الاجتماعية. وينبّه بزي إلى أن ليس حق الاقتراع مجرّد حرّيّة شكليّة في مقابل (أو تعارض مع) الفهم الاقتصادي والاجتماعي لمبدأ المساواة. فعلى ما يبدو أن النزاع والسجال كانا حول «ترجمة» المساواة. فإذا كانت المساواة المدنيّة والمساواة الاقتصادية تصدران عن الادراك نفسه لمعادل الكرامة ومعادل الحاجة لحماية المجتمع، فإن فكرة المساواة السياسية «تندرج خارج قاعدة الحقوق» هذه. وربما هذا ما لم تقدّره حق التقدير الأفكار الاشتراكية.
يلفت بيار روزانفالان نظرنا الى أن «مؤسّسة الاقتراع العام «تشغل حيّزاً وسطاً، وحتى ثانوياً، في تاريخ المؤسّسات الليبرالية والديمقراطية، الذي شهد ثلاث محطّات حاسمة: تأكيد الحقوق المدنية في القرن الثامن عشر (بناء الدولة الليبرالية)، واكتساب الحقوق السياسية في القرن التاسع عشر (قبول الاقتراع العام)، وتنظيم الحقوق الاجتماعية في القرن العشرين (تشييد دولة الرعاية). يستعرض الكتاب، وبالتفاصيل الدقيقة «ثورة المواطنة» والفرد المستقل التي رسمت الحدود بين الطبيعة والمجتمع، البيت والمدينة، الاستقلال والتبعية. ثم يتحرّى المؤلّف الظروف التي جرى فيها التعبير عن التناقض الصعب وإدارته، بين فكرة المشاركة السياسية العامة وفكرة النخبويّة (الإرث العقلاني لعصر الأنوار) التي كانت ترى السياسة فارغة من المعنى إذا لم تتأسّس على العقل.
يفرد روزانفالان فصلاً مؤثّراً لـ«تأسيس المدينة» حيث السوسيولوجي والأنتروبولوجي والأبستمولوجي تختلط وتتقاطع في رسم «صورة المواطن»، حين يتراكب فلك السياسة مع فلك المجتمع المدني، وبالتالي فالحقوق السياسية لا تصدر عن عقيدة التمثيل فقط، بل عن فكرة المشاركة في السيادة (كيان الأمّة).
ويخلص الى إسناد كل هذا الى مفهوم انقلابي في القانون الذي بات يمثّل استقلالية الكائن البشري، والقدرة الملازمة لطبيعته في ألا يكون تابعاً سوى لنفسه في أعمال فكره وإدارة عمله، وهكذا وجدت استقلالية الارادة. وحسب الفلاسفة الجمهوريين سيرتفع العنوان الجديد «الإنسان هو فرد، أي إرادة حرّة».
كتاب «انتصار المواطن» يقع في ثلاثة أقسام: «ثورة المساواة»، «التاريخ الكامل: لتجارب الاقتراع والانتخاب والتمثيل والجمهوريات»، و«التربية على الديمقراطية». وعبر «الاقتراع العام»، كما يرى المؤلّف، يتحقّق انتصار المواطن > |