Al-mushahid Assiyasi Volume (15) Iss 825 - 18 February 2012
اخر الاخبار
كلمة المحرر
ذاكرة شعوبنا ليست قصيرة فلا تستخفّوا بعقولنا!!

> أهي ذاكرة شعوبنا القصيرة أم أنه استخفاف السياسيين بعقول الناس وذكائهم لا بل كرامتهم أيضاً؟

في الأمس القريب، تحوّل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، من رجل منسي في العالم العربي الى «القائد القدوة للعرب»، حتى أن بعض الكتّاب الذين هلّلوا لحميّته الفلسطينية أثناء حرب غزّة، وردّة فعله الصاخبة على الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريس في منتدى دافوس، وعناده في قضية السفينة «مرمرة»، غيّروا اسمه من «بابا طيب»، (كما يحلو للأتراك العاديين أن يسمّوه) الى «الطيّب الأول الفاتح»، تيمّناً بالسلطان «سليم الأول الفاتح» الذي دخل القسطنطينية وغيّر وجه التاريخ آنذاك. وبسرعة قياسية، صار أردوغان بطلاً شرقياً ترفع صوره في?التظاهرات وتهيمن حكاياته على «أساطيرنا» اليومية، الباحثة عن فارس أبيض يأتي من الشرق ليمحو هزائمنا التي تكاد لا تنتهي. وانتقل الولع العربي من نجوم الدراما التركية المدبلجة التي غزت شاشات الفضائيات العربية، الى السياسيين الأتراك، وفي مقدّمهم أردوغان، بعدما أظهر «ذئبيّته» الأناضولية في المنتجع السويسري.

حتى أن العلم التركي، وهو الأثر الوطني الوحيد الباقي في تركيا من العهد العثماني، غزا شوارع بيروت وغزّة ورام الله والقاهرة ودمشق وغيرها، بعدما اختفى تماماً منذ أكثر من ثمانين عاماً. لكن، وبقدرة قادر تغيّرت الصورة فجأة واسترجع القديم، وانقلب «العروبيون» أنفسهم من تمجيد الرجل الى تهميش صورته باستعادة الذكريات المرّة للحكم العثماني، حتى أن الكتّاب أنفسهم الذين امتدحوه كـ«فاتح عربي جديد» عادوا وأسموه جمال باشا «السفّاح»، وأعادوا الى الأذهان قضية لواء الإسكندرون المنسيّة، والتحالف الاستراتيجي بين أنقرة وتل أبيب وعودة العثملي البشع الى بلاد العرب»، ليس لأن أردوغان أعاد العلاقات مع إسرائيل ـ وهو لم يفعل ذلك بل على العكس زاد في توتّر علاقات بلاده بالدولة العبرية ـ بل لأنه «نصح» رئيساً عربياً كان حتى الأمس القريب «أعزّ أصدقائه»، بأن يجد حلاً سياسياً لأزمة بلاده وأن يكفّ عن قتل شعبه!  فعلاً إنها «جريمة» أن يكون جاراً حريصاً على البلد الجار حتى لا ينهار، ويدفع ببلاده والمنطقة برمّتها الى كارثة لا تحمد عقباها!!!

الذاكرة قد يعتريها التشويش والبلبلة مع التركي العثملي الذي لا ينكر أحداً أن لديه طموحات ومصالح خاصة تسبق مصالح الآخرين. لكن ماذا عن الشقيق العربي؟

في الأمس أيضاً، كانت عبارة «شكراً قطر» تُزيّن شوارع الجنوب اللبناني، وكانت قطر درّة عين الممانعة بصحافتها و«نخبها» ومجتمعاتها، وتوّج ذلك بالعبارة الشهيرة التي أطلقها رئيس مجلس النواب نبيه برّي: «أول الغيث قطرة... فكيف إذا كانت قطر».  اليوم، وفي الطريق من بيروت الى الجنوب، اختفت اللافتات التي رفعها «مجتمع المقاومة» لدولة قطر. بلى هناك واحدة عملاقة على مشارف بلدة كفرا، لكن من رفعها قرّر أن يقلبها رأساً على عقب، بحيث يبدو أنه تراجع عن شكر الدولة التي تولّت إعادة بناء قريته! أما الصحافة «الممانعة» التي تولّت في السابق رفع قطر من مقام الدولة الخليجية الى سويّة الواحة والحلم، فبين ليلة وضحاها عادت وتولّت شيطنة تلك الدولة الـ«بترودولارية»، واستلّت هذه الصحافة ترسانة الشتائم عينها تلك التي كانت تستعملها في مواجهة خصومها.

أما قناة «الجزيرة» فقد انتقلت من كونها محتكرة للحقيقة والمعرفة والأخلاق والمقاومة الى بوق «إمبريالي» ينضح كراهية وسمّاً. كل ذلك، لأن قطر أيضاً نصحت وحذّرت من خطورة ما يجري في سورية خشية على الدولة وشعبها، ولأن قناة «الجزيرة» قامت بواجبها المهني بتغطية وقائع ما يجري هناك، ولو أن ذلك كان على نحو لا يروق للنظام. الانقلاب في المواقف السياسية بعد الاختلاف ممكن، لكن ما يصدم ليست الوقائع بل السهولة التي يجري الانقضاض فيها على كل من يبدي رأياً آخر، ومن دون أي تدرّج في المواقف يُراعي ذكاء متلقّي الخطاب وهاضميه! وفي?أي حال، فإن الماكينة الأيديولوجية التي «فرمت» مواقفها السابقة، وحاولت عبثاً تدمير ذاكرة شعوب، لم تجد نفعاً في جعل الغالبية الساحقة من الشعوب العربية المقهورة أن تردّد ولو بصمت: «شكراً لمن يقف الى جانبنا في محنتنا»، و«شكراً لمن يمد يده لنا لمساعدتنا في كسر أغلال الاستبداد من أي نوع كان» >