Al-mushahid Assiyasi Volume (15) Iss 825 - 18 February 2012
اخر الاخبار
شؤون عربية
لا مشكلة سياسية وجدت حلاً ولا وضعاً اقتصادياً أو أمنيّاً توقف عن التدهور

لبنان بين عامين: لا رحنا ولا جينا!

 

 

كان العام 2011 عاماً لبنانياً بامتياز، إن لجهة تناقضاته الداخلية ومشكلاته البنيوية. إذ بدأ العام بقضية محلّيّة ذات بُعد خارجي، تمثّلت بإقالة حكومة الرئيس السابق سعد الحريري، وتشكيل حكومة أخرى برئاسة نجيب ميقاتي، وانتهى بقضية خارجية ذات بُعد محلّي، تمثّلت بالثورة الشعبية في سورية، وتأثيراتها في لبنان إن على صعيد الحكم أو على صعيد الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنيّة فيه بشكل عام.

 

«المشاهد السياسي» ـ بيروت

 

> لم يتحرّك لبنان، في العام المنصرم 2011، قيد أنملة خارج حالة الاستقطاب التي فرضت نفسها عليه خلال السنوات الماضية، فأنهى العام تماماً كما بدأه أسير ما يعرف بقوى 14 آذار من جهة وقوى 8 آذار من جهة أخرى، من دون أن يستطيع فريق منهما تسديد ضربة قاضية في وجه الفريق الآخر، ولا حتى تسجيل هدف إنهاء المباراة في ملعبه.

كان إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري في الشهر الأول من العام ضربة كبرى لقوى 14 آذار، إلا أنها لم تجعلها ترفع الأعلام البيضاء، ولا أن تستكين وراء مطلبها الداعي الى وقف ما تسمّيه الوصاية السورية على لبنان، أو مطلبها الآخر الداعي الى نزع سلاح «حزب الله» الذي بات مطلباً معلناً لهذه القوى، بعد أن تلقّت ضربتها بإسقاط حكم الحريري، واعتبارها ذلك انقلاباً مكشوفاً على «اتّفاق الدوحة» الذي رعته حكومة قطر قبل ذلك بعامين، وشكّلت على أساسه حكومة حملت اسم «حكومة وحدة وطنية» لا يجوز لأحد أن يعمل على عرقلة عملها من الداخل أو?أن يستقيل منها.

وفي المقابل، لم يتمكّن الإئتلاف الواسع الذي شكّلت منه الحكومة الأخرى ـ «حزب الله» و«أمل» و«التيار الوطني الحرّ» و«الحزب التقدّمي الاشتراكي»، الى جانب رئيس الجمهورية ميشال سليمان والرئيس نجيب ميقاتي ـ من أن يعيش طويلاً، فقام رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي وليد جنبلاط بنقلة جدّيّة في موقفه السياسي، في الوقت الذي كانت تبرز فيه الى العلن خلافات عميقة بينه وبين العماد ميشال عون من ناحية، وبين عون والرئيس ميقاتي من ناحية ثانية، في ما يتعلّق بعدد من المسائل المحلّيّة كما في مسألة الموقف من النظام السوري، والحركة ا?عربية لوقف حمّام الدم في سورية بعد الأحداث التي ضربتها في إطار ما يسمّى «الربيع العربي».

ومع أن حكومة الرئيس نجيب ميقاتي حقّقت أكثر من إنجاز على الصعيد المحلّي، ربما أهمّها وضع قضايا الحياة المعيشية في رأس سلّم الأولويّات ومحاولة معالجتها بالطرق الممكنة، فقد بدا واضحاً الى حد كبير أن مشكلات البلد المتراكمة خلال السنوات، وحتى العقود، الماضية، تحتاج الى أكثر من سبعة شهور هي عمر الحكومة الحالية، وربما الى أكثر من حكومة واحدة، شرط أن تتمتّع بكل ما تحتاج إليه من استقرار أمني وسياسي في لبنان أولاً، وفي المحيطين العربي والإقليمي الواسع بعد ذلك. ومن السذاجة القول إن مثل هذا الاستقرار قد توفّر يوماً له?ه الحكومة.

هكذا عاش اللبنانيون طوال الشهور الـ12 الماضية بين شدّ وجذب محلّيّين بالدرجة الأولى، وعضّ أصابع بين قواهم السياسية والحزبية وبين الأوضاع السورية ـ وتالياً العربية ـ المتحرّكة بسرعة قياسية بالدرجة الثانية. وانعكس ذلك كلّه أزمات اقتصادية واجتماعية على اللبنانيين تحديداً، وعلى بلدهم بصورة عامّة، في ضوء العقوبات الدولية التي فرضت على النظام السوري، و«العيون المفتوحة» من الولايات المتحدة وأوروبا على المصارف والموانئ ونقاط الحدود اللبنانية، لضبط محاولات تهرّب النظام السوري من العقوبات عبر لبنان.

وإلى جانب ما عرف بـ«قضية البنك اللبناني ـ الكندي»، وما تبلّغه لبنان رسمياً من واشنطن من أن قضيّته قد تشمل بنوكاً لبنانية أخرى، فقد بات معلناً كذلك أن العديد من الدول الأوروبية أبلغ الى لبنان بأن عليه أن يكون واعياً لخطورة الموقف فيما لو ساهمت قطاعات لبنانية ـ مصرفية أو صناعية، أو حتى أمنيّة، في كسر جدار العقوبات الذي بني دولياً حول النظام في دمشق. وفي المعلومات المتوافرة، أن الزيارة التي قام بها مساعد وزيرة الخارجية الأميركية جيفري فيلتمان الى كل من بيروت وعمان في المدة الأخيرة، كانت في الاطار ذاته، باعتبا? أن حالة الأردن لهذه الجهة لا تختلف كثيراً عن حالة لبنان.

في الوقت ذاته، كان لبنان يتعرّض لامتحان سياسي صعب، إن على مستوى مجلس الأمن الدولي، حيث كان يترأّس المجلس في دورته السابقة، وكان عليه أن يتّخذ موقفاً من قراراته حول الوضع في سورية ـ وقبله حول الموقف من العقوبات ضد إيران ـ أو على مستوى الجامعة العربية واللجنة الوزارية التي شكّلتها برئاسة رئيس وزراء وزير خارجية قطر الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني. ومع أن الأمم المتحدة والجامعة العربية تعرفان جيّداً نقطة ضعف لبنان تجاه سورية والموقف منها، إلا أن حبل الشدّ والجذب في الداخل اللبناني، كما في الخارج: العربي والدو?ي، كان يضيق حوله طوال تلك المدّة... ولا يزال في واقع الأمر حتى الآن. وعملياً، فعلى خلفيّة الموقفين هذين تصاعدت حدّة الاشتباك السياسي بين فريقي الاستقطاب اللبناني في المرحلة الأخيرة، إن على صعيد مجلس النواب أو على صعيد الاعلام، أو على صعيد التشنّج الشعبي الذي ينتجه هذا التصعيد، طائفياً ومذهبياً ومناطقياً، مع كل ما يكشفه ذلك من إمكان السقوط مجدّداً في أتون ما عاناه اللبنانيون في «الحرب الأهليّة» في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.

لكن الأوضاع الأمنيّة في لبنان عموماً، وفي الجنوب بشكل خاص، بدا في الفترة الأخيرة موضع السؤال الأكبر، بعد أن كثرت أعمال الخطف في مقابل فدية (قضية الأستونيّين لم تجد خاتمة منطقيّة مقبولة لها بعد) أو في مقابل تبادل مخطوفين بين جهة وأخرى. وبات من نوع الخبر اليومي نزول مواطنين الى الشوارع يقطعونها بالاطارات المشتعلة أو بالحجارة، بدعوى إطلاق معتقلين من دون محاكمة منذ سنوات، أو بحجّة انقطاع التيار الكهربائي عن منطقة أكثر من منطقة أخرى، أو حتى بمنع تظاهرة مؤيّدة للنظام السوري أو معارضة له في العاصمة، أو في غيرها م? المدن في الشمال أو البقاع.

ولم تكن العملية الارهابية التي استهدفت عناصر من الكتيبة الفرنسية في قوّات «اليونيفيل» في منطقة صور في المدة الأخيرة، سوى من نوع التحذير الجديد، بأن الوضع على الحدود مع العدوّ الإسرائيلي نفسه يبقى نقطة «تبادل رسائل» محلّيّة ودولية، كما قال وزير الخارجية الفرنسي ألان جوبيه، بعد الحادث الذي سقط فيه خمسة جنود فرنسيّين جرحى، إضافة الى مواطن لبناني صودف وجوده في مكان الحادث.

ومع أن الردّ الفرنسي على العملية كان عنيفاً من جهة، واصراراً على إبقاء الكتيبة في عملها في الجنوب من جهة أخرى، فلم يكن من دون معنى ما حفلت به أجهزة إعلام عدد من الدول الأوروبية والآسيوية، من أن مستقبل قوّاتها في لبنان سيكون موضع بحث في المستقبل، خصوصاً إذا ما تكرّر توجيه «الرسائل» إليها، وفاق الأوصاف التي استخدمت في إيطاليا وإسبانيا اللتين تشتركان بقوّاتهما في «اليونيفيل».

وبالرغم من إجماع القوى السياسية والحزبية اللبنانية، كما على المستوى الرسمي، على التنديد بالعملية، واعتبارها موجّهة ضد لبنان أكثر مما هي موجّهة ضد القوّات الفرنسية، فلم تقف أوساط «اليونيفيل» عند هذه العملية فقط، وإنما عادت الى التذكير بأنها الثانية من نوعها في منطقة عملياتها، بعد العملية التي تمّت في سهل الدردارة في الخيام في العام 2008، وأسفرت عن مقتل خمسة جنود إسبان، وأنها استهدفت سيارة غير مصفّحة، بما يشير الى أنها لم تكن في مهمّة قتالية، وإنما في مهمّة روتينية ربما تكون مجرّد التنقّل في المنطقة، بهدف الياحة أو شراء حاجات فرديّة من المدينة.

وقد اعتبرت أوساط «اليونيفيل» ذلك مبرّراً كافياً للشك في أنه الهدف كان توجيه إنذار الى القوّات، وربما الى الدولة التي يحملون جنسيّتها، لأسباب سياسية أكثر من أي شيء آخر. ووصفت ذلك بدوره بأنه يفتح باب الظنّ بأن الهدف قد يكون سياسياً وإقليمياً، مع أن مهمّة «اليونيفيل» لبنانية وتتعلّق بأمن الجنوب وليس بما فيه من قضايا أو في المنطقة بشكل عام.

أما على الصعيد الاقتصادي، فقد شهد لبنان في الشهور الماضية جموداً شبه كامل في العقارات بعد عامين من الصعود في أسعارها، خصوصاً على مستوى العاصمة، حيث بلغت الأرقام ذروة غير مسبوقة، وركوداً في حركة الاستهلاك على خلفيّة الأزمة الاقتصادية في العالم، وانخفاض القدرة الشرائية للعملة اللبنانية في مقابل العملات الأخرى، وانخفاضاً في دخل المواطن، في ضوء تجميد الأجور طوال سنوات، من دون إعادة نظر فيها لا من قبل الدولة ولا من قبل القطاع الخاص، بالرغم من احتفاظ المصارف بفائض من الودائع أدخل البلاد في دورة اقتراض سهلة من ال?صارف الى المواطنين، شبيهة كما يقول بعض رجال الاقتصاد بما سبق أزمة الرهون العقارية في الولايات المتحدة في العام 2008.

ومع أن توقّفاً لتسديد السندات، كما حدث في الولايات المتحدة، لم يحدث حتى الآن في لبنان، لكن عدداً من الاقتصاديين لا يستبعدون ذلك في حال بقي الوضع السياسي والاقتصادي في البلد على ما هو عليه لفترة طويلة من الزمن >