Al-mushahid Assiyasi Volume (15) Iss 825 - 18 February 2012
اخر الاخبار
شؤون عربية
الأسئلة اليمنيّة كثيرة ولا تزال على حالها!

برغم تحديد موعد للانتخابات الرئاسية

 

أخيراً، شكّلت «حكومة وحدة وطنية» في اليمن برئاسة المعارض محمد سالم باسندوة، وتمّ تحديد موعد للانتخابات الرئاسية في شباط (فبراير) المقبل، بموجب المبادرة الخليجية التي وقّع عليها علي عبد الله صالح. لكن الأسئلة اليمنية لا تزال على حالها، وبخاصّة منها ما يتعلّق بنوايا صالح الحقيقية! وما هي الخطوة التالية التي سيقوم بها، إن كان في الفترة التي تسبق الانتخابات أو بعدها على صعيد تنازع السلطة بين حزبه «المؤتمر الشعبي العام» والأحزاب الأخرى من جهة، وبينهما وبين شباب الثورة من جهة ثانية.

 

«المشاهد السياسي» ـ لندن

 

> وضع توقيع الرئيس علي عبد الله صالح على المبادرة الخليجية بعد سبعة شهور من المناورة والمراوغة والتسويف، مستقبل اليمن أمام مرحلة جديدة مليئة بالتحدِّيات، كما بدا من اللحظة الأولى للتوقيع، وكما ما يزال ماثلاً للعيان حتى الآن، في ضوء ردود الفعل اليمنية، وحتى العربية والدولية، على قرار صالح في النهاية توقيع المبادرة، وإثارة علامات استفهام حولها في «خطاب التوقيع» نفسه. فقد بقيت المخاوِف لدى غالبية اليمنيين من نكوص صالح التِزاماته، حتى بعد التوقيع، لا سيما أنه سيبقى كرئيس شرفي للبلاد ويتمتّع بمزايا رئيس دولة الى?ما بعد الانتخابات المقبلة، تحت عنوان ضمان حصوله على الحصانة من ملاحقته قضائياً، وفاقاً للاتفاق. ومبعث خِشية اليمنيين، تجربتهم الطويلة مع مناوراته الطويلة من أجل التمسّك بالسلطة. وعملياً، لم ينفع في إزالة هذه المخاوف لجوء المعارضة، ممثّلة بأحزاب اللقاء المُشترك، وهي الطرف الذي وقّـع الاتفاق مع صالح وحِزبه، الى التقليل منها. فهذه الأحزاب ترى أن الاتفاق، بالرّغم من عدم تلبيته مطالبها، فسيقود إلى إحداث تحوّل حقيقي في قواعد اللُّعبة السياسية، لأنه تضمَّن إجراءات مرحلية، تستند إلى خارطة طريق زمنية، وِفاق ما قال ?لقيادي المعارض الدكتور ياسين سعيد نعمان، في رسالة تطمينية بعث بها إلى شباب الثورة. ومع أن مظاهر الفرحة بالتوقيع اختفت تماماً في الشارع اليمني، إلا أن قطاعاً عريضاً من السكان، ممّن لا اهتمامات أو انتماءات سياسية لهم، ويعتبرون أنفسهم ضحايا الأوضاع السياسية المضطربة التي أدّت إلى توقّف مصالحهم الاقتصادية وتعطيل أعمالهم، أبدى ارتياحاً للتوقيع، اعتقاداً منه بأن الحياة ستعود في النهاية الى حالتها الطبيعية لتتعافى بعد ذلك أعماله المشلولة.

كما تذهب هذه الفئة من السكان إلى أن نقل السلطة يفتح أمام البلد آفاقاً واعدة لبناء دولة النظام والقانون والقضاء على الفساد الذي عانَوه طويلاً. وتسود في صفوفها قناعة بأن الأوضاع بعد صالح ونظامه، مهما كانت، لن تكون أسوأ من بقائه أو استمرار الحال على ما هو عليه منذ بدء الاحتجاجات الشعبية قبل عشرة أشهر.

 

ألم ومرارة الشباب

 

أما شباب الثورة في ساحات الاحتجاجات، فقد جاء موقفهم رافضاً التسوية، حيث رأوا أنها التفاف على مطالبهم في التغيير، وأن رحيل صالح عن السلطة ليس إلا خطوة في طريق إسقاط كل النظام واقتلاع جذوره. ويتَّهم هؤلاء المعارضة، ممثّلة بأحزاب اللقاء المشترك، بخيانة الثورة بقبولها الانقياد إلى ما يسمّونه «بيت الطاعة» لقبول المبادرة بصيغة توفيقية، لا تلبّي تطلُّعات الشباب ولا تُراعي تضحياتهم، فضلاً عن أنها تحمي القَـتَلة ومُرتكبي جرائم الحرب، ويتّهمون المعارضة بالانتِهازية والسعيْ إلى قطف ثمار الثورة قبل نضوجها. وفي تعليقه لى موقف شباب الثورة، قال القيادي المعارض محمد قحطان، إن «الشباب يرفضون التسوية من حيث المبدأ، ويرفضون منح ضمانات لصالح تحُول دون ملاحقته، هو ومن ارتكب جرائم القتل، وهم (أي الشباب) متألّمون لما وقع ويشعرون بمرارة، لأن الآليّة التنفيذية للمبادرة ونقل السلطة، أناطت بحكومة الوِفاق الحوار معه، وهي ستقوم بتشكيل لِـجان خاصة للحوار، وستصل معه إلى تسوية تسمح له بالمشاركة في العملية السياسية، وسيكون له دوْر فاعل في مستقبل اليمن، الذي نتطلّع إليه جميعاً، كمستقبل مختلف عمّا ألِفناه وعانيْناه».

وفي رأيه، أن الانتفاضة الشعبية في اليمن لا تسير في طريق التغيير الجِذري للنظام، كما حصل في تونس ومصر وليبيا. إذ على خِلاف ما حصل للنُّخب السياسية والأحزاب الحاكمة في تلك البلدان، تمكّن الحزب الحاكم في اليمن والنخبة الممسكة بمقاليد الأمور الافلات من دوّامة ثورات «الربيع العربي».

 

الخروج من القُمْقم

 

الحزب الحاكم، بمُقتضى المبادرة، سيبقى طرفاً فاعِلاً في رسم ملامح مرحلة ما بعد صالح، إذ سيظلّ شريكاً في السلطة يتقاسمها مناصَفة مع أحزاب المعارضة، فيما يتولّى نائب رئيس الحزب اللِّـواء عبد ربه هادي، مهامّ رئيس الجمهورية، كمرشّح توافُقي أجمعت عليه أطراف المعادَلة السياسية اليمنية.

ومع أن هذه الوضعية للحزب الحاكم تُـعيد للأذهان فشَل الحوارات السابقة، التي خاضها مع المعارضة خلال السنوات الخمس الماضية، إلا أن المراقبين يروْن أنه بات (أي الحزب الحاكم) أمام فرصة تاريخية للخروج من القُمْقم الذي وُضع فيه منذ إنشائه في العام 1983، عندما أسّسه صالح كجبهة وطنية عريضة ما لبثت أن تحوّلت إلى حزب الرئيس، يحشد ويشتري الأنصار الانتخابيين والمؤيّدين، مقابل منح قياداته ميزة التصرّف والانتفاع بالسلطة العامة، والمال العام والحياة والادارة. وحسب المراقبين، أدّت هذه الحال إلى تدجين الحزب الحاكم إلى حدّ أ?اق تحوّله إلى حزب سياسي بالمفهوم المُتعارف عليه، إلا أنه ربما يجد نفسه اليوم أمام فرصة تاريخية لأن يتحوّل إلى حزب سياسي على أسس ديمقراطية، أو يبقى حزب الرئيس، أي رئيس، سواء كان صالح أو غيره.

من جهتها، تقف حكومة الوحدة الوطنية التي شكّلت بموجب الاتفاق، في مواجهة تحدّيّات صعبة تهيِّئ لتأسيس دولة مدنية بنظام مؤسّسي لا شخصي، ينطلق من الصِّفر، نتيجة هشاشة المؤسّسات القائمة الموروثة عن المرحلة السابقة وضعفها. ومن أولى الخطوات الممهّدة لذلك، البدء بإنهاء انقِسام القوّات المسلّحة وإعادة هيكلة الجيش على أسُس وطنية، لما يمثّله ذلك المطلب من أولوية لدى كل الأطراف، إذ إن فترة حكم صالح عمِلت على إضعاف الهويّة الوطنية للجيش، وكرّست في مرحلتها الأولى الطابع القبلي والجهوي لهذه المؤسّسة. أما في المرحلة اللاحق، التي راجت فيها حمّى التوريث السياسي في المنطقة، فقد غلب على هذه المؤسّسة الطابع العائلي بتركّز قياداتها في أيْدي الأبناء والأقارب. وبالتالي، فإن تحقيق هذه الخطوة تُراهِن عليه مختلف القوى المصمّمة على إعادة الاعتبار إلى مدنية الدولة، على اعتبار أن عدم حيادية الجيش في الحياة السياسية اليمنية، أدّى إلى اختلال موازين القِوى بين اللاعبين السياسيين، لأن الاستناد إلى هذه المؤسّسة، وما يتوافر لها من عوامل القوّة، ظلّ معضِلة تعوق التحوّل إلى انتقال ديمقراطي حقيقي، تتوافر فيه فُرص التنافس الانتخابي النزيه والمتواز.

أيضاً من التحدّيات المطروحة، القضايا التي خرج من أجلها الشباب للاحتجاج والتظاهر، وهي البطالة والفقر والتهميش والاقصاء، وما أنتجته من ظواهر سلبية من التطرّف والتشدّد والارهاب، وهي تحدّيات كبيرة، خصوصاً في بلد عانى طوال الفترة الماضية نهْـب موارده وثرواته واستِـنزافها، ويعاني أصلاً نُدرة الموارد. في المقابل، هناك تحدٍّ يواجه المعارضة، لأن إقدامها على منح الأولية للخروج من الأزمة، سيكون له ثمن باهظ، لا سيما لجهة سُمعتها لدى الثوّار وعموم الشعب اليمني. فقياداتها تبدو الآن أسيرة لنزعة تبريرية، بعد أن كانت حاملة المشروع تغييري أقامته على فشل سياسات النظام وإخفاقها منذ فضّ تحالفاتها معه في العشرية الأخيرة، لكنها تنخرط اليوم، وتحت شعار ضرورة التوافق السياسي، في حكومة إئتلافية مع «المؤتمر الشعبي العام»، وتبرِّر ذلك بما تُسمّيه «مشاركة من أجل تهيئة المناخ السياسي لتحقيق أهداف الثورة»، كما جاء على لسان محمد قحطان، وهو ما يضعها في تناقُض بين التصوّر والممارسة، قد يؤثّر في دور الأحزاب في تأطير العمل السياسي، في وقت تتبلْوَر فيه نزعات استقلالية لدى الشباب عن القوى التقليدية وتتشكّل في البلد ثقافة جديدة للتغيير.

إضافة إلى ذلك، هناك ملفّات كبرى تتعلّـق بالهويّة والوجود، تنتظر معالجات جادّة وجريئة، تجانب الأنانية الجهوية التي كانت سبباً في ظهور تلك القضايا، كالحراك في الجنوب المُنقسم حالياً بين تيّاريْن، أحدهما يطالب بفكّ الارتباط ويرفُض أي تسوية لا تفضي إلى استعادة الدولة، وآخر يطالب بفيديرالية بين الشمال والجنوب، ثم هناك ملفّ الحوثيّين في شمالي البلاد، والملف الاقتصادي المُثقَل بصعوبات توفير التمويل العمومي >