Al-mushahid Assiyasi Volume (15) Iss 825 - 18 February 2012
اخر الاخبار
ثقافة عامة
الناقد السوري مفيد نجم: لا كتابة تبدأ من الدرجة صفر في رؤية الأشياء

على أعتاب صدور كتابه النقدي الجديد «طائر بأكثر من جناح»

 

يعتبر الناقد السوري مفيد نجم واحداً من ألمع نقّاد الشعر العربي، فضلاً عن مساهماته في نقد الرواية والسرد القصصي. وتعتبر أعماله النقديّة بعض أفضل النقد الذي اشتغل على إضاءة النص الشعري العربي الجديد، لا سيما نصوص قصيدة النثر من خلال بعض أفضل شعرائها مشرقاً ومغرباً. من بين أعماله المنشورة في كتب: «الأفق والصدى ـ دراسات في الشعر السوري المعاصر»، «الربيع الأسود»، «أرض الأبديّة» وغيرها كثير. وللناقد نجم أيضاً عمل في ميدان تحرير وتحقيق الرحلات بالتعاون مع «المركز العربي للأدب الجغرافي ـ ارتياد الآفاق». أما كتابه ?لنقدي الجديد «طائر بأكثر من جناح»، فهو يتصدّى للتجربة الشعرية الحديثة في الإمارات، من خلال بعض أفضل أصواتها من شاعرات وشعراء ما يسمّى قصيدة النثر. يتطرّق الشاعر إلى تجربة التناصّ في الشعر العربي، وإلى موضوع يهتمّ الناقد به ونعني به الاستشراق الفنّي في أوروبا القرن التاسع عشر.

 

«المشاهد السياسي» ـ أبو ظبي

 

> يجد القارئ المتابع في عدد من أعمالك النقديّة التي صدرت حتى الآن، تركيزاً ملحوظاً على دراسة مفهوم التناصّ وشعرية العنوان ووظائفه المختلفة في الشعر العربي المعاصر، ما يدفع الى التساؤل عن سبب هذا التركيز الملحوظ؟

< أعتقد أن الدافع الذي يقف وراء هذا الانشغال يستند إلى رؤية تحاول تعمّق هذا المفاهيم والنظريات إجرائيّاً، وتمثّـلها بصورة أكثر غنى، وأنجع تطبيقاً لآليّاتها ومنظورها النقدي في الممارسة النقديّة، إلى جانب الانحياز الذي يؤكده هذا التركيز إلى جانب الاتجاهات النقديّة المعاصرة التي ساهمت في تطوير النظريّة النصّيّة ومفاهيمها، وفي توسيع أفق الدرس النقدي الذي أهمل هوامش النص، أو عتباته لمصلحة المتن تارة، أو شخصيّة المؤلّف تارة أخرى. وإذا كنت في كتابي السابق (الأفق والصدى: قراءات في الشعر السوري المعاصر)، قد تناولت مفوم التناص في الشعر السوري المعاصر، ممثّلاً بتجربة ما عُرف اصطلاحاً بجيل الستينيات، فإن هذا التناول قد استثنى مكوّناً هامّاً وأساسياً من مكوّنات تلك التجربة، ألا وهو تجربة ما عُرف بجيل السبعينيات وما تلاها من تجارب أخرى، خصوصاً وأن تجربة هذا الجيل شكّـلت تحوّلاً هامّاً على صعيد الرؤية الشعرية، وشكّل الكتابة وأدواتها التعبيرية والجمالية، في حين ظل جزء من رموز تلك التجربة يقيم اتصاله مع تجربة قصيدة التفعيلة في أكثر من مستوى، سواء من حيث الرؤية الشعرية أو لغة المعجم الشعري والأدوات التعبيرية والبلاغيّة (السمات الأسلوبيّة)، إن لم يكن على مستوى آليّات التناصّ وشعرية العنوان، وبنيته اللغوية والدلالية والمجازية.

> في هذا السياق، ركّزت دراسة لك على موضوعات التناص الدينية والتراثية والأسطورية والواقعية، ما الذي حرّضك على هذا النوع من التناول النقدي للتناص؟

< إن ما يحرِّض على هذا الانكباب على دراسة التناص في الشعر السوري المعاصر بأشكاله وتجاربه المتعدّدة، هو قلّة الجهد النقدي المبذول في هذا الحقل، وتركّز المجهودات النقديّة في الغالب على مجال الدراسات الأكاديمية التي اتخذت من تجارب بعينها انحصرت في جنس الرواية والقصة غالباً مادة للدرس والبحث والقراءة النقدية.  وقد جاءت دراستي الجديدة في بابين أساسيين، تناولنا في الباب الأول استراتيجية التناص في الشعر السوري المعاصر. وقد سعينا فيه إلى استكمال ما كنا بدأناه في كتابنا السابق (الأفق والصدى)، من دراسة لمستويات التنا? وموضوعاته ونوع آليّاته المستخدمة ووظيفته الجمالية المفترضة، من منظور منهجي يعمل على الكشف عن تلك الآليّات واختلاف ظهورها بين تجربة وأخرى، وما يحقّقه ذلك من وظائف، لا سيما على مستوى مفهوم الانتاجية القائم على الاضافة، وزيادة في المعنى الذي يقوم به النص الجديد. أما في القسم الثاني فكان السعي مركّزاً على دراسة هوامش النص أو عتباته، نظراً الى أهميّة الدور الذي تلعبه تلك العتبات سواء من حيث كونها ذات وظائف تأليفية، تختزل قسماً من منطق الكتابة، كما يقول جيرار جينيت، أو من حيث دورها في تأويل النص، والكشف عن السي?قات السوسيولوجية والتناصّيّة والثقافية التي تندرج ضمنها عملية تلقّي النصوص، إضافة إلى دراسة وظائفها الشعرية والدلالية والرمزية. ورغم ما قد يوحي به عنوانا محوري الكتاب من انفصال في العلاقة بينهما، إلا أن هناك ترابطاً قائماً بين هذين المحورين يظهر عبر تركيز الدراسة الثانية على شعرية العنوان، وعلاقة الاتصال والانفصال التي يقيمها العنوان مع النص، أو مع المرجعيات الخارجية التي لا يمكن فهم دلالاته من دون العودة إليها، إضافة إلى التناص بين العنوان الخارجي والعناوين الداخلية، وبينها وبين النص الذي تسمّه وتمنحه هويته، وتختزل قسماً من منطق الكتابة فيه مما (يجعله يعلن ويمظهر قصديّة المؤلّف)، كما يقول جيرار جينيت، وهو ما يتّصل بعمل النظرية الشعرية والتي يعتبر التناص جزءاً منها، خصوصاً وأن هناك تعالقاً بين العنوان على صعيد سياقه التناصّي، وبين التفاعل النصّي الذي تستخدم فيه آليّات مختلفة مع المرجعيات الدينية والتراثية والشعرية والأسطورية، نظراً الى الدور المحوري الذي يلعبه العنوان بوصفه بؤرة دلالية يقوم بوظيفة تقديم النص الذي يتوجّه.

> ما الذي حملك كناقد على إعطاء عناوين الكتب الشعرية أهميّة خاصّة في التحليل النقدي، وما الأهميّة الخاصة للعناوين في قراءة النصوص نفسها؟

< لقد كشفت استراتيجية العنونة في الشعر السوري المعاصر عن تطوّر وتبدّل ملحوظ في هذه الاستراتيجية، ترافق مع التبدّل الذي طرأ على طبيعة الرؤية الشعرية مع تجربة جيل السبعينيات على مستوى قصيدة النثر ومرتكزاتها التعبيرية والفنّيّة والبلاغيّة، في الوقت الذي حافظت فيه تقريباً قصيدة التفعيلة عند هذا الجيل على استراتيجية العنونة عندما عرف بجيل الستينيات. ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة إلى استراتيجية التناص التي شهدت هي الأخرى تطوّراً وتبدّلاً نسبياً لحظناه في قصيدة النثر أيضاً، على صعيد آليّات التناص ودرجات ظهوره والرجعيات التناصّيّة التي يحيل عليها، فقد غاب بصورة شبه كاملة استخدام آليّة القناع، بسبب طبيعة الرؤية الشعرية التي تهتمّ باليومي والبسيط والعابر، وبشعريّة التفاصيل والسردي واللغة التقريرية، إلى جانب التركيز على الجانب الحسّي البصري في الرؤية إلى الأشياء والعالم، وعلى مركزيّة الذات في هذا الخطاب والرؤية النسبيّة التي غابت عنها اليقينيّات التي كانت تشكّل ملمحا أساسياً للرؤية التي تميّز قصيدة الشعر الحرّ أو شعر التفعيلة.

إن تنوّع آليّات التناص في تجربة الشعر السوري المعاصر، وتعدّد مستوياته ودرجاته بين تجربة وأخرى، بل بين عمل وعمل آخر للشاعر نفسه، يدلّل على مدى تنوّع تلك التجربة وتطوّرها، وقدرتها على تمثّـل النصوص القديمة أو المعاصرة لها. ولا شك في أن تناص الخفاء، أو اللاشعور الذي هو أعلى درجات التناص وأهمّها، نظراً الى قدرته على امتصاص النصوص الأخرى وتذويبها في النص الجديد بعد محو حدودها، يمثّـل أعلى درجات التناص، ويتطلّب الكشف عنه في النص الجديد جهداً كبيراً، خصوصاً إذا كان التفاعل النصّي مع فنون أخرى مثل السينما والموسيق، ولذلك فإن البحث في ذاكرة النص، وعن ينابيعه، يتطلّب ثقافة متنوّعة وواسعة في نص مفتوح باتت تنزاح فيه الحدود بين الأجناس الأدبيّة المختلفة، وبينها وبين الفنون الأخرى البصرية والسمعية بصورة خاصة.

> ما الذي رصدته من آليّات التناص في أطوار وتجلّيّات الظهور والخفاء في الشعر الذي درسته؟

< لقد وجدنا في دراستنا آليّات التناص ومستوياته ظهوراً ملحوظاً للتناص الظاهر، مقابل محدوديّة ظهور تناص الخفاء أو اللاشعوري، ما يدلّ على طبيعة وعي الشاعر بالوظيفة التي يعمل التناص على تحقيقها في نصّه الجديد، من خلال تفاعله النصّي مع النصوص أو الفنون الأخرى، وفاق شروط وعيه الجمالي والفنّي الجديد، لا سيما على صعيد آليّة الاستدعاء والتحويل التي يستدعي فيها نصوصاً قديمة وحديثة، أو أسماء شخصيات دينية وتاريخية وتراثية وأسطورية من ثقافتنا أو من الثقافة الغربية، حيث يكون التركيز جليّاً على الوظيفة الدلاليّة لعمل التن?ص قبل الانتباه إلى أهميّة الوظيفة الجمالية التي يجب أن يحقّقها التناص، والتي يجب أن يكون الاستدعاء فيها غير مقصود لذاته، وذلك نتيجة تركيز اهتمام الشاعر في خطابه الشعري على الوظيفة الاجتماعية، والقدرة على توصيل رسالته المراد إيصالها إلى المتلقي.

> لديك دراسة في الفنّ التشكيلي والرؤية الاستشراقية، بما يقع في حقل قراءة الشرق بوصفه عالم الغرائب والدهشة والأساطير، كما تناوله الغرب. ما الذي حاولت بحثه؟

< أنت تعرف أن ما يسمّى بـ«سحر الشرق وغموضه وغرابته» الكثير من الكتّاب والشعراء والفنّانين الغربيين على مدى القرون الأربعة الماضية، فخلّدوا تلك الرحلات في مؤلّفات وقصائد ولوحات، عكسوا فيها انطباعاتهم عن عالم الشرق، بوصفه الآخر المختلف ورؤيتهم إليه. وقد تميّزت الصورة التي قدَّموها في تلك الأعمال بتمايز الرحَّالة، وطبيعة الرحلة التي قاموا بها وزمانها، والاتجاهات الفنّيّة والأدبية التي حملوا قيمها الجمالية. لذلك يمكن القول إن أغلب الأعمال الأولى التي ظهرت في القرنين السابع والثامن عشر، كانت متخيّـلة وتعكس في مض?ونها قراءات هؤلاء الكتّاب والفنّانين لكتابات الرحَّالة الأوائل عن عالم الشرق، والحكايات والأخبار التي كانت تروى لهم عنه، وبذلك لعبت تلك الكتابات دوراً خطراً في تكريس صورة الشرق النمطية الغريبة، باعتباره عالماً من البدائية والشهوات الحسّيّة المتفجّرة، والأساطير والعنف. أما الأعمال التي ظهرت في القرن التاسع عشر وما بعد، فقد أخذت تتحرّر نسبيّاً من تلك الرؤية الاستشراقية من خلال الاقتراب أكثر من عالم الشرق، ومحاولة فهم واقعه الحقيقي وثقافته وحياة الناس التي يعيشونها.

وفي الوقت الذي ركّزت فيه الدراسات المتعلقة بالاستشراق على الأعمال المكتوبة، من أدب رحلات وشعر ومذكّرات ودراسات إناسيّة، فإن الاهتمام بدراسة الاستشراق في مجال الفنّ التشكيلي، ظل محدوداً، على الرغم من أنه كان امتداداً طبيعياً من حيث مضمونه وتاريخه، والمراحل التي مرّ بها، والتحوّلات التي شهدها للاستشراق في المجالات الأخرى. وربما كان غياب الاهتمام بهذا الجانب، نابعاً من صعوبة الوصول إلى تلك الأعمال الفنّيّة التي توزّعت على القصور والمتاحف العالمية، وبيوت الفنّ، ما أدّى إلى عدم استجلاء صورة الاستشراق الغربي في ?ذا المجال، والبحث في مضمونه وظواهره.

ولخّصت ناقدة فنّيّة نمساوية النزعة الاستشراقية عند الفنّانين الغربيين بالقول «إن لوحات الرسم ذات الموضوعات الشرقية تتذبذب بين الشرق الحالم الذي نحتفظ به حيّاً في خيالاتنا، وبين الواقعية المنطقيّة بما يشبه تذبذب رقّاص الساعة. وهؤلاء الذين يقفون في نقطة التذبذب لا يقومون بتصوير سحر وفتنة أعمال الاستشراق فقط، بل يفتحون أيضاً مجالاً واسعاً للجدل».

> ما هي مصادر الخيال الفنّي عند التشكيليين المستشرقين، وكم يمكن لنا أن نعثر على الواقع كمصدر حي؟

< لم يكن الاستشراق في مجال الفنّ التشكيلي في القرنين السابع وبداية الثامن عشر، يعتمد على المشاهدات الحيّة لهؤلاء الفنّانين أثناء رحلاتهم التي قاموا بها إلى الشرق، إذ إن أغلب الأعمال الفنّيّة التي رسمها هؤلاء الفنّانون اعتمدت على الخيال، وما يروى لهم في تركيب وتأليف المشاهد والصور عن عالم الشرق، كما هو الحال في اللوحات التي رسمها الفنّان المعروف ديلاكروا، لا سيما في لوحته التي حملت اسم «موت ساردانابال» التي استوحاها من مأساة الشاعر الرومانسي الفرنسي اللورد بايرون، وكذلك في لوحتي الفنّان الفرنسي مونتاغو اللتي حملتا اسمي «الحمّام التركي والسرِّيّة». لقد لعبت صعوبة السفر والانتقال في تلك الفترة دورها في جعل عدد الفنّانين الغربيين الذي زاروا الشرق محدوداً، في حين ساهمت عوامل أخرى في تزايد الاهتمام بالشرق، منها ترجمة حكايات ألف ليلة وليلة بعوالمها الغريبة والمثيرة لخيال القارئ الغربي، من قبل المترجم الفرنسي أنطوان غالاند في العام 1721، وحملة نابليون بونابرت على مصر عام 1799 التي استقدمت معها عدداً من الكتّاب والفنّانين. وقد شكّلت كل من مصر وسورية ولبنان والأراضي المقدّسة في فلسطين وسواحل شمالي أفريقيا واسطنبول، الجال الجغرافي لرحلات أولئك الفنّانين المستشرقين، وكان واضحاً في لوحاتهم التي رسموها الاهتمام برسم حياة البدو، وصور المدن والآثار العربية الإسلامية، ومشاهد المعارك والخيّالة والأشخاص بملابسهم المحلّيّة الصارخة الألوان، من دون أن تتخلّى تلك الأعمال عن تجسيد الغموض الذي ينطوي عليه. شكّل فنّانو الاستشراق الفرنسيون طليعة الفنّانين الغربيين وأكثرهم عدداً، وقد كوّنوا مدرسة خاصة بهم، في حين جاء الفنّانون الإنكليز، الذين كانوا أكثر فردية، في المرتبة الثانية. ومع بداية العصر الفيكتوري الذي كرّس ظاهرة الموديل ورسم الأ?كال الغريبة، اتّسع الاهتمام بالشرق المثير والغريب، فكان أن تركّزت موضوعات هؤلاء الفنّانين في رسم السكان المحلّيّين بملابسهم الغريبة والصارخة الألوان ومناظر الأسواق والشوارع. أما بالنسبة الى الفنّانين الغربيين الآخرين فكانوا قليلي العدد. ولعبت المدن العربية العريقة تاريخيّاً كالقاهرة ودمشق والقدس وبيروت وبغداد، دوراً مهمّاً في اجتذاب فنّاني الاستشراق الغربيين الذين انشغلوا برسم تلك المدن وآثارها القديمة، ومساجدها وأسواقها المزدحمة بالناس.

 

بداية التحوّل

 

> لكن متى ظهر عمليّاً مفهوم الاستشراق في أوروبا؟ هل كان ذلك في ذروة عصر الاستعمار أم أنه تأخّر حتى ظهور الدراسات الحديثة؟

< لا، بالعكس من ذلك، لقد مهّد هذا المفهوم وممارساته لمرحلة الاستعمار، فقد شهد منتصف القرن التاسع عشر ظهور مفهوم الاستشراق في أوروبا، وتأسّست مراكز الأبحاث الشرقية، كما بدأ الاهتمام يتزايد بالكنز الأثري في مصر بعد الحملة الفرنسية على مصر، وبتأثيرات من المدرسة الرومانسية ومفاهيمها الجمالية والفكرية التي عبّرت عن الحنين القوي للماضي بوصفه يعبّر عن القيم الطاهرة والأصيلة للحياة. وقد أدّى ذلك إلى زيادة في عدد فنّاني الاستشراق في أوروبا من جهة، ومن جهة أخرى ساهم في ظهور تنوّع في المدارس الفنّيّة، ترافق مع سعي أكب? من قبل هؤلاء الفنّانين لفهم عالم الشرق، ومعرفة أسراره وخباياه، من خلال الاقامة لفترات طويلة فيه والعمل كمراسلين حربيين، بعد أن ظل المخيال الخاص لأولئك الفنّانين يعكس تأثّره الواضح بالصورة التي رسمتها كتابات الرحَّالة الأوائل عن الشرق. وعلى الرغم من هذا، فإن العدد الكبير من هؤلاء الفنّانين لم يكن من الفنّانين المحترفين وأصحاب المواهب الكبيرة. وتكشف الموضوعات التي سيطرت على أعمال هؤلاء الفنّانين في مطلع القرن التاسع عشر، أنها تمركزت حول رسم الحريم بأجسادهن الباذخة في عريها، والحمّام التركي الذي اعتبر المكان?الأمثل لعالم الاثارة والشبق، بفعل تأثير المتخيّل الشرقي عندهم. وتعدّ مظاهر البربرية والمعارك الدامية وأساليب الحياة الطريفة والغريبة، من الموضوعات الأثيرة في لوحات فنّاني تلك المرحلة، بسبب اختلافها عن نمط الحياة في الغرب.

 

الغريب والبربري

 

ولأول مرة يشهد الفنّ الاستشراقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر تحوّلاً في الاهتمامات، والموضوعات التي انصبّت عليها أعمال الفنّانين الذين رسموا مناظر الطبيعة، والمدن التاريخية والعمارة الإسلامية، كما تميّزت أعمال هؤلاء الفنّانين بأنها استطاعت أن تقدّم ملامح أوّلية عن عالم الشرق الحقيقي. ومما يلاحظ على تلك الأعمال أن الفنّانين الذين رسموها انشغلوا بالموضوعات نفسها، التي تمثّلت في مناظر الحمّامات التركية والرقص الشرقي ومظاهر الحياة اليومية للناس، سواء داخل البيوت أو خارجها، إضافة إلى حياة البدو في الصحرا?، ودور العبادة الإسلامية التي عملوا على إظهار خصوصيّة عمارتها الإسلامية وتفاصيلها الزخرفية. مقابل هذه الرؤية الاستشراقية، برز فنّانو الجنر الذين ابتعدوا عن موضوعات العري والحمّام التركي، واهتمّوا برسم مشاهد الحياة اليومية، مستخدمين أساليب ورؤى جمالية متنوّعة كانت تمثّـل مدارس واتجاهات فنّيّة مختلفة، مثل المدرسة الكلاسيكية والمدرسة الواقعية والمدرسة الانطباعية، حيث ساهمت تلك الأعمال في زيادة معرفة الإنسان الغربي بالشرق، إذ كان الغرب هو السوق الحقيقي لهذه الأعمال الفنّيّة، التي وجد فيها الغرابة والاثارة والس?ر الغامض الذي يكتنف الشرق.

> هل يمكن الحديث هنا عن تيارات برزت أكثر من سواها في عالم الاستشراق الغربي؟

< بالتأكيد. وفي الواقع، فإن الفنّانين الفرنسيين يمثّـلون الاتجاه الأبرز في الفنّ التشكيلي الاستشراقي الغربي، نظراً الى العوامل الجغرافية، والصلات المبكرة التي نشأت بين فرنسا والشرق، سواء من خلال الحملات العسكرية أو التجارة >