Al-mushahid Assiyasi Volume (15) Iss 825 - 18 February 2012
اخر الاخبار
موضوع الغلاف
هل يكتمل «الهلال الإخواني» في المغرب العربي بفوز الإسلاميين؟

واقع الحال يختلف جملة وتفصيلاً عن الظروف التي سبقته

 

فقد التيار الإسلامي في الجزائر الكثير من نفوذه منذ تحوّلت محاولته الأخيرة للفوز بالسلطة الى صراع دموي، لكنه يسعى الى هذا مجدّداً الآن، معزّزاً بنجاحات الإسلاميين في دول أخرى في شمالي أفريقيا، لكن كثيرين يرون أن الجزائر لن تكون كشقيقاتها من البلدان العربية التي اكتسحها المد الإسلامي، في ظلّ وجود أطروحات أخرى، تنطلق من حقيقة أن للجزائر ظروفها الخاصة.

 

«المشاهد السياسي» ـ لندن

 

> في تونس ومصر يحظى الإسلاميون بشعبية جارفة، كونهم ذاقوا الاضطهاد والابعاد والقمع لسنوات طوال من جانب أنظمة فاسدة، فتحت معتقلاتها لاستيعاب أكبر عدد من الناشطين الإسلاميين ونكّلت بهم، وهو ما أكسبهم تعاطفاً هائلاً. كذلك، فإن سرقة نظامي زين العابدين بن علي وحسني مبارك مقدّرات الشعبين التونسي والمصري، وإفساد الحياة السياسية، ونشر الفقر والمرض في ربوع البلاد، دفع بالشعبين، بعدما أطاحا الأنظمة الفاسدة، إلى التفكير في اختيار النموذج الإسلامي الذي يحمل شعارات العدالة ومنطلقات دينية، فضلاً عن امتلاك الأحزاب الإسلامي? في تونس ومصر وكذلك المغرب برامج سياسية واقتصادية متطوّرة نسبياً.

وبخلاف شعبية الأحزاب الإسلامية في تونس ومصر والمغرب، وما تحمله من برامج جاذبة، فإنها تتمتّع بنوع من الوحدة في الفكر والمنهج، حتى طريقة التنفيذ مع بعض الاختلافات التي لا ترقى إلى مستوى الخلافات. ففي تونس، نجد حركة النهضة (حركة الاتجاه الإسلامـي سابقاً) هي نفسها الحركة التاريخية التي تمثّل التيار الإسلامي؛ وفي مصر يشكّل حزب الحرّيّة والعدالة الجناح السياسي لجماعة «الإخوان المسلمين»، وحزب النور السلفي، ركيزة الحركات الإسلامية. ومثّلت حركة «الإخوان المسلمين» البديل عن الدولة في مصر، بسبب غياب الدولة في العمق ا?مصري. واستفاد «إخوان مصر» من أموال خليجية، وكان لها بعدها الشعبي. وكذلك هو الحال في المغرب بالنسبة لحزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي حصد أخيراً 107 مقاعد في البرلمان.

 

فوارق واضحة

 

لكن الأمر يختلف تماماً بما يتعلّق بالأحزاب والتيارات الإسلامية في الجزائر، خصوصاً بعد تجربة مريرة عاشها الجزائريون عرفت بحرب «العشرية السوداء»، عندما دخلت البلاد في أتون صراع رهيب في كانون الثاني (يناير) 1992، عقب إلغاء نتائج الانتخابات الاشتراعية للعام 1991، والتي حقّقت فيها «الجبهة الإسلامية للانقاذ» فوزاً مؤكّداً، مما حدا بالجيش الجزائري الى التدخّل لإلغاء الانتخابات الاشتراعية في البلاد مخافة تربعّ الإسلاميين على السلطة، وهو ما انتهى بصراع مسلّح بين فصائل منسوبة أو تابعة لـ«جبهة الانقاذ» وبين الجيش وقو?ات الأمن الجزائرية، أدّت إلى مقتل ما لا يقلّ عن 200 ألف جزائري. وقد خفّت حدّة العنف منذ العام 2002. وفي أيلول (سبتمبر) 2005 أيّدت غالبية كبيرة من الجزائريين العفو الجزئي الذي أصدرته الحكومة الجزائرية عن مئات من المسلّحين الإسلاميين، ضمن ما عرف بـ«ميثاق السلم والمصالحة الوطنية»، بهدف إنهاء أكثر من عقد من النزاع، لكن مُنعت «جبهة الانقاذ» من العمل السياسي، وحصلت على لقب «محظورة» ـ وهي لا تزال كذلك ـ لكن ذلك لم يستطع أن يمحو من ذاكرة الجزائريين تلك الحقبة السوداء من الحروب والصراعات الداخلية.

وبخلاف «جبهة الانقاذ»، تحصي الساحة السياسية الجزائرية عدداً من التيارات الإسلامية، اضطرت بموجب دستور 1996 المعدّل إلى التخلّي عن أسمائها وبنود من قوانينها الأساسية، فتحوّلت حركة المجتمع الإسلامي مثلاً إلى حركة مجتمع السلم (الإخوان المسلمون)، وتشارك في الحكومة الحالية بأربعة وزراء (قرّرت الخروج أخيراً من التحالف الحكومي)، وحركتي النهضة الإسلامية والاصلاح الإسلامية إلى حركتي النهضة والاصلاح فقط، وهما حركتان منشقّتان عن حركة مجتمع السلم.

وحتى الآن لم يتم بلورة رؤية سياسية موحّدة تلتف حولها الحركات الإسلامية الجزائرية، وإن كان الواقع يفرض عليها ذلك. حيث يمثّل السلفيون داخل الجزائر القوّة الإسلامية الأكثر نفوذاً، ويختلف وضعهم عن وضع «الجبهة الإسلامية للانقاذ»، إذ تتقبّلهم الحكومة الجزائرية لأن قناعاتهم تمنعهم من الانخراط في العمل السياسي.

وفي هذا الاطار، بدأت الأحزاب الإسلامية المعلنة في إعداد استراتيجيتها مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، في ظلّ النجاحات الكبيرة التي يحقّقها التيار الإسلامي في بقيّة الدول العربية، بالانفتاح على جميع التيارات السياسية، والبحث عن تحالفات الإسلاميين مع غيرهم من التيارات لكسب ثقة كل الناخبين. ويرى حزب النهضة الإسلامي أن الإسلاميين في الجزائر قادرون على رفع التحدّي والوصول إلى السلطة، على رغم سياسة التفكيك التي طاولتهم، بعد احتواء السلطة بعضهم وتهميش بعضهم الآخر ورحيل آخرين.

فيما يذهب محمد جمعة الناطق باسم حركة مجتمع السلم، الذي يشارك منذ سنوات في الحكومة، إلى أن «ما حدث في مصر وتونس والمغرب أمر يدعو الى التفاؤل والثقة في الوقت نفسه، لأنه يؤكّد نجاح التيار الوسطي الذي حملنا دوماً شعاره ودعونا الى مبادئه».

ويعتقد الإسلامي المعارض، عبد الله جاب الله رئيس جبهة العدالة والتنمية (قيد التأسيس)، «بأن من السابق لأوانه الحديث عن فوز الإسلاميين في الجزائر من عدمه، ولا زال يفصلنا عن هذه الانتخابات ستة أشهر ستكون حبلى بالأحداث والقوانين التي ستظهر طبيعة اللعبة السياسية في هذه المرحلة»، وقال إن «كل المؤشّرات الوطنية والدولية تؤكّد أن الإسلاميين هم من سيحكمون المرحلة المقبلة».لكن، وفي المقابل، يتعيّـن على القوى الإسلامية خلال الشهور القليلة التي تسبق الانتخابات الجزائرية، توحيد صفوفها، أو على الأقلّ تقريب وجهات النظر، وت?نّي خطاب سياسي متوازن، والكشف عن برامج سياسية فعّالة والدخول في قوائم انتخابية مشتركة.

 

جيش بلا جنرال

 

لكن محاولات توحيد صفوف الإسلاميين تصطدم مرّة أخرى بجدار عقدة الزعامة، الذي كان دائماً يفرّق بين الإسلاميين. فالأمين العام لحركة مجتمع السلم «حمس» أبو جرّة السلطاني يرفض الشروط التي وضعها الأمين العام لحركة النهضة فاتح ربيعي للتحالف، في حين أن الأمين العام لجبهة العدالة والتنمية عبد الله جاب الله، الذي سبق له أن أسّس النهضة وبعدها حركة الاصلاح، وخرج منهما في كل مرّة بانقلاب داخلي، يرى في نفسه الزعيم الأكبر، الذي يصعب عليه أن يضع نفسه تحت سلطة «زعيم» سياسي آخر، بل إن كل الذين انقلبوا ضدّه من قيادات النهضة أو?الاصلاح برّروا ذلك بـ«عقدة» الزعيم الذي يبدأ وينتهي عنده كل شيء، التي لم يتخلّص منها، رغم التجارب السابقة التي خاضها.

ويقول وزير الداخلية دحو ولد قابلية إن ما يفرّق هذه الأحزاب أكثر مما يجمعها، موضحاً أن الخلافات الموجودة بين قيادات التيار الإسلامي ليس لها علاقة باختلاف في الأيديولوجية، وإنما بالطموحات الشخصية لكل واحد منهم.

ويقول أستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور ناصر جابي، لدى حديثه عن المرجعيّة في التيار الإسلامي، إن الكتلة التاريخية للإسلاميين تتشكّل من جيش عقداء متنافسين وبالطموحات نفسها، في إشارة الى تساوي الرتب، وغياب قائد حقيقي بإمكانه أن يجرّ وراءه الجيش إلى معارك سياسية حقيقية.

 

لا للإسلاميين

 

ويستبعد وزير الشؤون الدينية والأوقاف أبو عبد الله غلام الله، وصول الإسلاميين في الجزائر إلى الحكم خلال الانتخابات الاشتراعية والبلدية المرتقبة في السنة المقبلة، قائلاً إن «على الإسلاميين الانتظار كثيراً من أجل تحقيق هذا المسعى، وتكرار تجربتي الجارتين تونس والمغرب». وحسب غلام الله، فإن السبب في ذلك يعود إلى أن «التشكيلات السياسية ذات التوجّه الإسلامي في الجزائر غير قادرة على تحقيق الغالبية حتى بطريقة نسبية». وأضاف أن «الحركة الإسلامية في تونس والمغرب أكثر انفتاحاً منها في الجزائر، وذلك تعليقاً على تجربة «ال?بهة الإسلامية للانقاذ».

في هذا السياق، اعتبرت زعيمة حزب العمال التروتسكي لويزة حنون، أن «صعود التيار الإسلامي بعد مخاض «أحداث أكتوبر»، لم يكن مساراً عادياً للديقراطية»، بل ما قامت به هذه الحركات، حسب حنون، هو «ركوب الموجة بمساعدة من طرف النظام». وأضافت أن «اعتلاء الإسلاميين الحكم بعد الثورات ليس حتميّاً، وليس خياراً شعبياً حتى»، معتبرة أن «الأوضاع في تونس بعد فوز حركة النهضة مفتوحة على كل الاحتمالات، في حين تبقى الأوضاع مرهونة وغير واضحة المعالم بالنسبة إلى مصر»، واتّهمت الإسلاميين في الدول العربية، ومن بينها الجزائر ومصر وتونس، ?ولائهم للغرب، وأن «انتصارهم جاء بعد تقديمهم ضمانات للخارج قبل الداخل». ووجّهت انتقادات حادّة لرئيس حزب العدالة والحرّيّة عبد الله جاب الله، وهو حزب قدّم أوراق اعتماده على مستوى وزارة الداخلية، وينتظر الحصول على ترخيص بعد إقرار قانون الأحزاب الجديد، بعد زيارته الأخيرة لسفارتي فرنسا وأميركا، واتّهمته بالسعي والبحث عن دور في ظلّ المتغيّرات الجديدة التي يعيشها العالم العربي، خصوصاً بعد تصريح جاب الله، الذي قال إنه مستعدّ لتولّي الحكم في الجزائر. ونفت حنون أن «يكون الإسلاميون في الجزائر أو غيرها من الدول يمثّلو? الغالبية، بل هم أقلّ من نصف المجتمع بكثير، وفوزهم في المغرب تحديداً جاء بسبب غياب التوازن في الساحة السياسية مع التيار الديمقراطي الاشتراكي، على غرار ما نمثّله نحن في حزب العمال في الجزائر».

واستبعد المفكّر الجزائري الدكتور محيي الدين عميمور وصول الإسلاميين في بلاده إلى السلطة، على غرار ما وقع في تونس والمغرب، بسبب الأحداث التي وقعت في التسعينيات، والتي جعلت الشعب ليس لديه استعداد لإعطاء صوته مرّة أخرى للإسلاميين. وقال عميمور، الذي شغل منصب وزير الاعلام والثقافة في الجزائر سابقاً، إن الإسلاميين في تونس والمغرب أعطوا إشارات مطمئنة للجميع، وهو عكس ما فعله الإسلاميون في الجزائر في العام 1991، حيث انقلب الإسلاميون على الدستور، كما أن بعضاً من قادة «جبهة الانقاذ الإسلامية» أقدم على تصرّفات غير «عقل?نية»، مثلما فعل علي بلحاج عندما ارتدى ملابس ضبّاط الجيش، وذهب ليقابل وزير الدفاع حينذاك خالد نزار الذي كان يرتدي ملابس مدنية.

ووصف عميمور ما حدث في العام 1991 عندما فازت «جبهة الانقاذ الإسلامية» بغالبية مقاعد المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية، والبالغة 188 مقعداً من مجموع 389 مقعداً، بأنه لم يكن فوزاً حقيقياً، لأن 40 في المئة من الشعب الجزائري لم يدل بصوته، كما أن «جبهة الانقاذ» حصلت على ما بين 25 إلى 28 في المئة فقط، وهذا لا يعطيها الحق في صوغ الدستور الذي كانت الحركة تعتزم القيام به.

ومخاوف النظام الجزائري والقوى العلمانية من الإسلاميين واضحة، ويظهر أن أهل الحكم في الجزائر على علم بأن الانتخابات الحرّة والنزيهة لن تكون مضمونة النتائج.

وفي المقابل، واضح أن الوضع الدولي الحالي الذي يراقب كل شيء، وخصوصاً أعمال العنف وقمع الحرّيّات، قد يجعل من الصعب استعمال وسائل القمع والعنف الذي عرف عند مصالح الأمن الجزائرية في السنوات الماضية، وقد يشكّل هذا عبئاً آخر على من يريد منع الإسلاميين أو العلمانيين المعتدلين من الوصول إلى السلطة «بأية وسيلة»، ليصير شعار الضرورة هو: «منعهم من الوصول إلى الحكم بأية وسيلة إلا العنف والتزوير»، ويظلّ السؤال: كيف؟ >