Al-mushahid Assiyasi Volume (15) Iss 825 - 18 February 2012
اخر الاخبار
موضوع الغلاف
مصر بين ربيع «الإخوان» وخريف الجنرالات

سنة أولى ثورة...

 

بعد أيام قليلة تحلّ الذكرى السنوية الأولى على ثورة 25 كانون الثاني (يناير) الحالي في مصر التي استمرت 18 يوماً، والتي انتهت بإطاحة حسني مبارك من السلطة بعدما حكم مصر 30 عاماً. لكن هذا الحدث وحده لم يكن كافياً لنقل مصر من حال الى حال، ولا يزال عدم اليقين السياسي يحيط بالمستقبل، على رغم حسم الكثير من الأمور. فعملية الانتقال الديمقراطي تخلّلتها شوائب وأخطاء، وكثير من المطالب التي رفعت في ميدان التحرير لم تأخذ طريقها الى التنفيذ بينما نفّذت مطالب أخرى.

 

«المشاهد السياسي» ـ لندن

 

> من الظاهر وشبه الثابت أن مصر لن تعود الى الوراء مرّة أخرى، وإن كان شكل الحكم المقبل لا يزال غير محسوم. والسؤال المطروح: الى أي مدى سيذهب «الإخوان المسلمون» والسلفيون الذين سيطروا على مجلس الشعب الجديد في انتخابات شهد العالم على نزاهتها، في بسط سلطتهم؟ وأين هي حدود المؤسّسة العسكرية؟ وما هي الحدود التي ستنسحب إليها بعدما كانت اللاعب الأكبر منذ «ثورة تموز» 1952، وكانت العامل الحاسم في تنحّي مبارك عن السلطة وفي حماية متظاهري ميدان التحرير؟ ما هي العلاقة التي ستنشأ بين «الإخوان» والجيش بعد عقود من نظرة كل جان? الى الجانب الآخر بعين الارتياب؟ ما هي العلاقة الجديدة التي سنشأ بين «الإخوان» والولايات المتحدة؟ وكيف يتصوّر الإسلاميون الدور الإقليمي لمصر بعد وصولهم الى السلطة؟ وما هو شكل العلاقة بين «الإخوان» والسلفيين؟ وأين هي القوى الليبيرالية التي شاركت في الثورة وما هي مواقفها الآن؟ وما هو مصير الأقباط الذين كانوا يعتبرون أنفسهم جزءاً من ثورة الميدان، ثم استفاقوا على قلق يكتنف المصير؟

ربما كانت هذه عيّنة بسيطة من التساؤلات التي تدور في أذهان الشارع المصري، ولا تجد أجوبة عنها، من دون أن يمنع ذلك المضي في رسم خارطة سياسية جديدة لمصر في مخاض سلس حيناً ومعقّد أحياناً، إلا أن العامل الأساسي بقي متوقّفاً على ما سيتّفق عليه «الإخوان» والجيش. والبداية تنطلق من هنا.

من المعروف أن «الإخوان المسلمين» اضطلعوا بدور مهمّ في ثورة 1952 التي قادها «الضبّاط الأحرار» لإطاحة الملكيّة. وكان الضبّاط الأحرار يطبعون بياناتهم في مطبعة تابعة لـ«الإخوان»، لكن هذه العلاقة بين الجماعة وعبد الناصر انتكست منذ منتصف الخمسينيات. واتّهم الزعيم المصري «الإخوان» بمحاولة اغتياله، وردّ عليهم بحظر الجماعة، وبإعدام عدد من قيادييها ووضع آخرين في السجون. واستمرّت الخصومة بين الجانبين حتى وفاة عبد الناصر في العام 1970 ووصول السادات الى سدّة الرئاسة. تميّزت فترة السادات بالتخلّص ممن سمّاهم مراكز القوى ?ي النظام، وبينهم من كان موالياً لعبد الناصر أو ممن كانوا يطمحون الى خلافته. وانفتح في المقابل على التيار الإسلامي، فأطلق عدداً من قياداتهم من السجون، وغضّ الطرف عن عودتهم الى ممارسة بعض نشاطاتهم من دون أن يصل ذلك الى حدود رفع الحظر الرسمي عن جماعة «الإخوان». وبعد اغتيال السادات على يد إسلاميين ينتمون الى تنظيم «الجهاد» السرّي، دخل خليفته مبارك في حرب مع الجماعات الإسلامية استمرّت الى أواخر التسعينيات، بينما كان «الإخوان المسلمون» يترشّحون في الانتخابات الصورية التي يجريها النظام المصري بالتحالف مع أحزاب مر?ّصة، لا سيما حزب العمل أو كمستقلّين. وإكبر حصّة حصلوا عليها كانت في انتخابات العام 2005، وهي 88 مقعداً من أصل 444 مقعداً يتألف منها مجلس الشعب، إضافة الى عشرة نواب من الأقباط كان يعيّنهم رئيس الجمهورية. بينما لم يحصلوا في انتخابات 2010 سوى على مقعد واحد.

 

انقلاب المشهد

 

العلاقة التي اتّسمت بين النظام و«الإخوان المسلمين» تارة بالخصومة وتارة بالحذر، تغيّرت بعد «ثورة 25 يناير»، إذ بدا أن مرحلة جديدة آخذة في قلب المشهد السياسي في مصر. وترسّخت الخارطة السياسية الجديدة بأحكام «الإخوان المسلمين» ممثّلين بحزب الحرّيّة والعدالة الذي نشأ بعد الثورة على غالبية مقاعد مجلس الشعب يليهم السلفيون الممثّلون بـ«حزب النور».

هنا بات «الإخوان» في مواجهة الجيش مباشرة، لذلك بدأ التنافس على الصلاحيات. أولى الاشكالات برزت مع انسحاب «الإخوان» من لجنة شكّلها المجلس الأعلى للقوّات المسلّحة الذي يدير البلاد منذ إطاحة مبارك من أجل وضع الدستور الجديد للبلاد؛ إذ رأى «الإخوان» الذين بدأت تباشير اكتساحهم البرلمان الجديد بالظهور، أن من حق البرلمان المنتخب أن يسمّي اللجنة التي ستضع الدستور، لا أن تكون هذه اللجنة معيّنة من المجلس العسكري.

وتعمّق هذا الاشكال مع إصرار الجيش على أن يتفرّد بموجب الدستور الجديد بوضع موازنته الخاصة، وبأن لا تتدخّل الحكومة فيها، بينما اعتبر «الإخوان» أن من شأن ذلك أن يجعل من المؤسّسة العسكرية كياناً فيديرالياً أو دولة داخل الدولة. وخرج الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر، الذي راقب الجولة الأخيرة من الانتخابات التشريعية، بانطباع مفاده أن الجيش يريد الاحتفاظ ببعض الصلاحيات حتى في مرحلة ما بعد انتخاب رئيس للجمهورية.

القضية الأخرى التي شكّلت موضوعاً خلافياً كان موعد إجراء الانتخابات الرئاسية، إذ إن المجلس العسكري كان يريد إجراء الانتخابات ليس قبل 2013، إلا أنه تراجع عن ذلك تحت وطأة تجدّد التظاهرات أواخر العام الماضي. وشكّل هذا التراجع نقطة لمصلحة «الإخوان» على رغم أنهم قالوا مراراً إنهم لا ينوون ترشيح أحد من الجماعة لمنصب الرئيس، لكن من المؤكّد أنهم سيدعمون مرشّحاً معيّناً ولو كان من خارج الجماعة. ولا يزالون هم الأكثر قدرة من حيث التنظيم والتجربة.

وشكّل التوافق بين الجيش والجماعة بداية تعاون بين الجانبين من دون أن يعرف حتى الآن المدى الذي سيذهب إليه هذا التعاون. ولا بد من الاشارة الى أن الدافع الذي دفع بالجيش الى تغيير نهج التعاطي مع «الإخوان» كان العامل الأميركي. فالولايات المتحدة بعد الربيع العربي أسقطت الكثير من التحفّظات التي كانت تضعها على مشاركة الإسلاميين في الحكم بالدول العربية. وكان بارزاً ذلك الانفتاح الذي أبدته إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما حيال جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر، وقالت علناً أنها ستكون مرتاحة لمشاركتهم في السلطة. وحصل ?ول اجتماع بين نائب وزيرة الخارجية الأميركية وليم بيرنز والقيادي في الجماعة محمد مرسي، ليشكّل ذلك أرفع اتصال بين الجانبين لأول مرّة على هذا المستوى. وسبق للقيادي في الجماعة عصام العريان أن التقى رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ السناتور الديمقراطي جون كيري والسفيرة الأميركية لدى القاهرة آن باترسون.

وفي مقابل الانفتاح الأميركي كان «الإخوان المسلمون» يؤكّدون أنهم ملتزمون الاتفاقات الدولية السابقة التي وقّعتها الحكومات المصرية السابقة. وأعلن العريان في مقابلة مع صحيفة الـ«نيويورك تايمز» أن «الإخوان» لا ينوون إلغاء معاهدة كمب ديفيد مع إسرائيل. وهذه نقطة أساسية تهمّ الولايات المتحدة وعليها يتوقّف الكثير من المواقف التي تتّخذها حيال وصول الإسلاميين الى السلطة.

كما أن «الإخوان أبدوا انفتاحاً حيال المساعدة العسكرية الأميركية السنوية البالغة ١.٣ مليار دولار، التي تحصل عليها مصر منذ توقيعها معاهدة كمب ديفيد في العام 1978، إذ قالت الجماعة إنها لا تنوي طلب الاستغناء عن هذه المساعدة. وفي ذلك رسالة اطمئنان الى الجيش المصري وإلى واشنطن في آن واحد. كما بدا أن «الإخوان المسلمين» ميّالون الى الموافقة على مطلب المجلس الأعلى للقوّات المسلّحة ببقاء الحكومة المصرية الحالية برئاسة كمال الجنزوري حتى إجراء الانتخابات الرئاسية بحلول تموز (يوليو) المقبل. ومع الصعود غير المتوقّع للسل?يين في انتخابات مجلس الشعب، بات الجيش المصري والغرب ينظر الى جماعة «الإخوان المسلمين» على أنها قوّة معتدلة، يمكن الوصول معها الى قواسم مشتركة. كما يمكن الجماعة أن تشكّل في هذه الحال قوّة عازلة داخل المجتمع المصري بين السلفيين الذين يدعون الى تطبيق صارم للشريعة الإسلامية وبين القوى الليبيرالية. ويراهن «الإخوان» على أن دخول السلفيين الى مجال الحكم سيجعل منهم تدريجياً قوّة أكثر اعتدالاً، وتالياً يقتربون أكثر من المبادئ التي ينادي بها «الإخوان».

ووسط الغموض الذي لا يزال يلف المشهد السياسي في مصر، بات أكيداً أن «ثورة 25 يناير» أفرزت معادلة سياسية جديدة في البلاد، ووضعت الجيش، الذي يعتبر المؤسّسة الأقوى منذ «ثورة 1952» حتى «ثورة 25 يناير»، في مواجهة «الإخوان» مجدّداً. وبات على الجانبين، بمقتضى المناخات التي أوجدها الحراك السياسي في العالم العربي، الوصول الى صيغة للتعايش، لأن المواجهة بينهما ستفضي الى الفوضى. وعلى رغم أنه لن يكون سهلاً على الجيش التنازل عن صلاحيات كان يتمتّع بها على مدى عقود، ففي المقابل فإن «الإخوان» يواجهون تحدّياً أكبر كونهم باتوا?في سدّة المسؤولية، وعلى عاتقهم تقع عملية إدارة البلاد بطريقة لا تستفزّ أي طرف في المجتمع، لا سيما إذا كان الجيش.

كما أن نظرية «الخروج الآمن» للجيش من الحياة السياسية لا تبدو قابلة للتطبيق بشكل فوري ونهائي، وإن كان على الجيش أن يتأقلم مع مرحلة جديدة في البلاد، مختلفة في الكثير من قيمها وممارساتها عن تلك التي ميّزت حقبة كاملة من حكم الجيش، سواء مباشرة أو بالوساطة. وتضع المرحلة الجديدة التي تشهدها مصر كل الأطراف أمام تحدّيات جدّيّة تتطلّب من الجميع تقديم تنازلات، حتى يكون في الامكان تلبية الحد الأدنى من المطالب التي نادى بها الثوّار في ميدان التحرير وقدّموا من أجلها التضحيات.

ويبقى التحدّي الأكبر يتمثّل في كيفية توصّل الطرفين الأقوى، الجيش و«الإخوان»، الى صيغة للحكم والتغلّب على معاناة الماضي. فهل ينجحان؟ >